نفسها فرح، تلك الصبية المتنقلة بين الاعتصامات المطلبية في بيروت، المخيِّمة مع عمال أنابيب المستقبل في عكار، الموقوفة لإصرارها على دخول مخيّم نهر البارد، الموزعة لمناشير الثورة هنا وهناك. هي نفسها فرح، تتنقل من محافظة مصرية إلى أخرى منذ عدة أشهر لاستكمال بحث جامعي حول نضال النساء المصريات.

كانت في الطريق، عائدة في 14 كانون الأول من الإسكندرية إلى القاهرة. وردتها رسالة عبر الهاتف فتوقفت عن الكلام لتقرأها، ثم صرخت: «تونس حرّة حرّة».

وعلت ثم هبطت في السيارة، ثم فتحت النافذة وأخرجت وجهها إلى الطقس الماطر والهواء البارد، عادت بعدهما إلى صدم أصدقائها. هي نفسها فرح لكن مع طاقة أكبر. تذهب إلى هاتفها، تقرأ مجدداً، قبل أن ترأف بأصدقائها وتختصر لهم الرسالة بكلمتين: «زين العابدين هرب».
يرمي السائق عيناً مستغربة على المرأة، متسائلاً عن الرابط بين «جنونها» وهروب زين العابدين، فتجيبه بحماسة: «هذا يثبت أننا قادرون على إسقاط الطغاة ويؤكد لكل مناضل في العالم أن ثمة أملاً»، ثم تبدأ الاتصالات.. تقول لصديقها إن الخبر أمدّها بأوكسجين يكفي لعقدي نضال. تلحّ على آخر لتنظيم اعتصام تضامناً مع تونس الخضراء أو سهرة لشرب نخب تونس الحرة. تضع خدها الأحمر الذي يعلوه شعرها المجعد الكثيف على الشباك وتردد: «ستتمدد الانتفاضة من عاصمة عربية إلى أخرى ومن ساحة إلى ساحة، اليوم تونس وغداً مصر»، فيبتسم السائق: «ها قد عدت لبنانية»!
المشوار من القاهرة إلى الإسكندرية فالقاهرة لم يتعب الشابة اللبنانية، رمت حملها في المنزل الصغير «وسط البلد» ومشت إلى «مقهى البيرا» حيث كان في انتظارها قرابة العاشرة مساءً بضعة شباب رافقوها إلى شارع الزمالك موقع السفارة التونسية في القاهرة، ليجتمع هناك تأييداً لانتفاضة تونس مصريون وتونسيون ولبنانيون. «الناس مبسوطة وبِتغني، مش عارفة ليه الأمن بيمشينا»، تقول فرح قبل عودتها مع أصدقائها إلى مقهاهم وهم يغنون الشيخ إمام: «(..) وافلت كلابك في الشوارع واقفل زنازينك علينا (...)».
في اليوم التالي، استيقظ الأصدقاء على رائحة الياسمين من تونس البعيدة ـــــ تونس القريبة. وفي القاهرة المزدحمة، قاهرة الأمن والفقراء والكادحين والباحثين عن فرح، القاهرة التي تقرأ جريدة وتشاهد «الجزيرة» وتسمع «الشيخ إمام»، حيث التصوير التلفزيوني ممنوع إلا بقرار من الأمن، والتجمعات بمختلف أشكالها مشكوك بها، وثلاثي الأمن والدين والمال في يد السلطة؛ جلس الأصدقاء يحلمون بتكرار التجربة التونسية في أم الدنيا. يقول أحدهم إن تاريخ شعب مصر حافل بالدلالات على رضوخ هذا الشعب للفرعون عقوداً من الزمن قبل انتفاضه بطريقة سحرية، لا يتوقعها أحد. يروي آخر كيف خرج الأقباط إثر تفجير الاسكندرية لأول مرة من ملاعب الكنيسة ليجوبوا بغضب شوارع القاهرة، غير مبالين بدعوات الكنيسة إلى التهدئة، مؤكداً أن من يخرج على طاعة الكنيسة يخرج على طاعة النظام. تشير أخرى إلى أن المسيرات القبطية بدأت صغيرة ثم كبرت وكبرت بعد انضمام المئات ممن هتفوا بمطالبهم الخاصة وممن نادوا من دون إيعاز من أحد بإسقاط الفرعون. الفراعنة، يصحّح آخر، فمشكلة النظام المصري لم تعد في الشخص الواحد بل في المجموعة الملونة (رجال سياسة وأمن ومال وسينما وإعلام) العنكبوتية في خنقها المواطنين. وتنهي فرح بثقتها المعتادة: «القاهرة التعبة من الديكتاتورية مستعدة للانتفاض». وتمتد النقاشات «إمتى اللي حصل في تونس يتكرر في مصر؟».
يصل النبأ: أشعل مواطن من الإسماعيلية عمره 49 عاماً النار في نفسه أمام مجلس الشعب، احتجاجاً على عدم صرف كوبونات خبز للمطعم الذي يمتلكه في «القنطرة». يشير أحدهم إلى نية الحكومة تأجيل فرض ضرائب جديدة حتى موعد آخر. يبدأ الأخذ والرد. وفي المطعم حيث صحن الكوشري بثلاثة جنيهات، يستجمع كل دقيقة مواطن جديد شجاعته ليعبّر عن موقفه الحقيقي بصراحة.
تتابع فرح الحوارات المصرية، تسمع بانتشار عدوى بوعزيزي. تعدّد أوجه الشبه بين الشعبين، مبشّرة بالثورة الثورة. تؤكد أن أجمل ما في المثل التونسي أنه يجعل كل شيء غير مؤكد من جهة وممكناً جداً من جهة أخرى. ثم تصبح مصر، لا تونس، هي العنوان. تشتّي الدنيا بيانات: ضد احتكار السلطة والثروة انتفضي يا مصر. ضد البطالة والخصخصة، ومع العمال انتفضي يا مصر. ضد تبوير الأراضي وإهدار المحاصيل، ومع الفلاحين انتفضي يا مصر. تروي فرح ما سمعته عن سجون مصر وديكتاتورية فرعونها وتنادي «انتفضي يا مصر». وتمدّ رقبتها فوق النيل لتتأكد من جمال شعرها قبل أن تضحك عيناها وهي تتساءل في أي ساحة ستكون غداً: في شبرا أم إمبابة أم دار القضاء أم ميدان التحرير؟ وبماذا ستهتف؟ «يا بن علي قول لمبارك السعودية في انتظارك» أم «ثورة ثورة حتى النصر، ثورة في كل شارع بمصر».
يوم الثلاثاء الماضي، كانت فرح في ميدان التحرير، أرسلت من هناك لأصدقائها اللبنانيين تقول «ميدان التحرير تحرّر فعلاً.. لعدة ساعات». أمس تذكرت أنها قبل أسبوعين كانت تفاوض السائق ليذهب بها إلى تونس بدل القاهرة، وتذكرت تردادها قبل بضعة أيام أن التجربة التونسية (كما التجربة المصرية) تثبت أن كل شيء غير مؤكد من جهة وممكن جداً من جهة أخرى. يرتفع غناؤها والأصدقاء «عمال وفلاحين وطلبة دقّت ساعتنا وابتدينا نسلك طريق ما لهش راجع والنصر قرب من عينينا».
قبل ذهابها إلى الشقة الصغيرة في مصر القديمة، تتذكر أنها قبل أسبوعين كانت تحبس الدمع في عينيها لكثرة اشتياقها إلى طرابلس ـــــ مدينتها اللبنانية المفضّلة: طرابلس التي تبدو حتى الآن بعيدة، بُعد القاهرة عن تونس قبل أسبوعين فقط.



صحافية في الميدان

تحت عنوان «يا بن علي قول لمبارك السعودية في انتظارك»، كتبت فرح لموقع «المنشور» الصادر عن «التجمع اليساري من أجل التغيير» مشاهداتها في العاصمة المصرية، عارضة المعارك التي شهدها ميدان التحرير بين الأمن والمتظاهرين واعتداء الأمن على هؤلاء بالعصيّ و«القذائف المسيّلة للدموع». أكّدت أن «مشهد تونس الذي بدا للعديد من الكتاب والصحافيين والناشطين بعيداً عن التحقق» ظهرت ملامحه واضحة في شوارع القاهرة. وروت فرح كيف أطلق على مكبّرات الصوت التي يستخدمها المتظاهرون اسم «إذاعة التغيير»، معددة الشعارات وأبرزها: «يا حرية فينك فينك أمن الدولة بيني وبينك»، مؤكّدة أن المباني المحيطة بميدان التحرير ردّدت مع المتظاهرين بصوت واحد «الشعب يريد إسقاط النظام». وأشارت إلى عشرات اللافتات غير الموقعة التي كتب عليها «الشباب قادمون»، «ليسقط نظام الطاغية» و«أنتم السابقون ونحن اللاحقون». ورأت أن أهم ما ميز التظاهرة في يوم الغضب كان مشاركة مجموعات من الطبقة الوسطى، إضافة إلى حضور النساء والفتيات حتى وقت متأخر من الليل. وكشفت أن رجال الأمن حاولوا، خلافاً لعاداتهم، تجنّب الاحتكاك في التجمّعات الكبرى والاكتفاء بتخويف المتظاهرين عبر القنابل الصوتية والتقدّم بالآليات المدرعة.