قدّم المصريّون، أمس، بعد التونسيّين، درساً للتاريخ عن غضب الناس من نظام لم يقدّم لشعبه، طيلة عقود، سوى الفقر والبطالة والفساد والمحسوبيات وخيانة إرث دولة كانت في يوم من الأيام أم الدنيا. مصر حسني مبارك، خليفة أنور السادات، التي وضعت مصلحة إسرائيل وأمنها في صدارة أولوياتها، لن تعود كما كانت بعدما قال الشعب لا، متحدّياً القمع المبتكَر، والقتل العشوائي، والبلطجة الحكومية الموصوفة. فقد تخلّت المدن المصرية، أمس، عن هدوئها بعدما سار كل شيء على عكس ما خطط له نظام مبارك، إذ فشلت القوى الأمنية في ضبط إيقاع الشارع لمصلحتها، في مواجهة مئات الآلاف من المتظاهرين الذين خرجوا إلى شوارع المحافظات المصرية كلها، من القاهرة والجيزة والسويس والإسكندرية وشمال سيناء والمنصورة للمطالبة بإسقاط حسني مبارك، في وقت كان فيه غياب أركان النظام عن المشهد شبه تام.

وانطلقت شرارة الاحتجاجات المطالبة بإسقاط النظام في «جمعة الغضب»، مثلما كان مقرراً سلفاً بُعيد انتهاء صلاة الجمعة، فخرجت جموع المصلّين إلى الشوارع بعشرات الآلاف، برغم انتشار أمني غير مسبوق نفّذته الشرطة، محاولةً إرهاب المحتجين. خطوة كان لا بد من اتخاذها لإكمال خطوة تقطيع تواصل «الثوار» فيما بينهم ومع محيطهم الخارجي، من خلال تعطيل مواقع الإنترنت وشبكات الاتصالات، في ضربة استباقية للناشطين الذين تمكنوا من تسخير هذه الوسائل في تنظيم احتجاجاتهم منذ الثلاثاء الماضي.
وفي القاهرة، دوّت هتافات الغاضبين مطالبةً برحيل مبارك، فيما تحولت الشوارع المحيطة بـ«ميدان التحرير» إلى قبلة المحتجين، بعدما حاولت السلطات منعهم من الوصول إليه، قبل أن يتمكنوا، مع انتصاف النهار، من العودة إليه، رافعين لافتات تطالب الرئيس بالتنحّي، تحت شعار «ارحل» بالعربية و«غو آوت» بالإنكليزية.
ولم يوفر المحتجّون الغاضبون شارعاً أو حياً إلا حاولوا التجمع فيه، مرددين شعار «الشعب يريد إسقاط النظام»، فيما كانت الحشود تدوس بالأقدام صور الرئيس.
وفيما تظاهر الآلاف في ميادين الجيزة والأزهر وشبرا والمطرية والتحرير، أطلقت قوات الأمن الرصاص المطاطي والحي وقنابل الغاز المسيّل للدموع ومدافع المياه باتجاه المحتجين، الذين ردّوا بإلقاء الحجارة عليها، هاتفين «يسقط يسقط حسني مبارك»، متعهدين البقاء في الشارع حتى تحقيق هدفهم.
وانضم المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، إلى نحو ألفي شخص أدّوا صلاة الجمعة في أحد أحياء الجيزة، قبل أن تمنعه الشرطة من مغادرة المنطقة، وتفرض عليه الإقامة الجبرية في منزله.
ومع تمدّد التظاهرات وتطوّر الموقف، وجدت الشرطة نفسها عاجزةً عن البقاء في الشارع، فاختارت اعتلاء أسطح المنازل، لتبدأ بإطلاق قنابل الغاز على المحتجين، من دون أن تنجح في ثنيهم عن مواصلة احتجاجهم.
وأدّى استخدام الشرطة للعنف المفرط في شوارع القاهرة إلى مقتل خمسة أشخاص على الأقل، فضلاً عن إصابة المئات، من بينهم زعيم حزب «الغد» المعارض أيمن نور. وأوضحت مصادر طبية أن نحو 870 محتجاً أصيبوا بالرصاص المطاطي والحي في أنحاء القاهرة الكبرى من أصل 1030 جريحاً، فيما تحدّث بعض الشهود عن عبارة «صنع في الولايات المتحدة» مكتوبة على الرصاصات الفارغة.
ومع حلول الظلام، ومحاولة فرض حظر التجول الذي أعلنه مبارك، دخلت عربات الجيش إلى ميدان التحرير وسط القاهرة، في ظل هتافات المحتجين الذين طالبوا الجيش بدعمهم، وهم يردّدون «الجيش والشعب يد واحدة»، معربين عن امتعاضهم من عنف الشرطة، فيما رفع الجنود داخل دباباتهم أيديهم بعلامة النصر للمتظاهرين، وهم يلوّحون لهم بالأعلام الوطنية.
وتأكيداً لترحيب المتظاهرين بنزول الجيش، قال متظاهر شاب يُدعى إيهاب علي «لا نريد مبارك ولا هذه الحكومة بعد الآن. لكننا نحب الجيش، المصريون يحبّون حقاً الجيش»، وسط موافقة عشرات الشباب الذين تحلّقوا حوله.
في المقابل، بدا متظاهر آخر، كان يسير مع آلاف آخرين في حي الدقي بعد ساعتين من فرض حظر التجول، متردّداً في الترحيب بنزول الجيش إلى الشارع، لا سيما بعدما سرت شائعات عن أن عناصر من الحرس الجمهوري هم الذين تولوا هذه المهمة. وقال «لا نعرف حتى الآن مع من يقف الجيش، وما إذا كان معنا. لكننا جميعاً نحترمه».
وفيما غطّت الشعارات المعادية للحكومة جدران شوارع القاهرة، أشار الطالب الشاب عمر أحمد إلى أن «ما يحدث اليوم أجمل من الحلم، لم أصدق أن ذلك يمكن أن يحدث يوماً»، فيما كانت رائحة الفوسفور تنتشر في وسط العاصمة المصرية.
والعنف الذي استخدمته الشرطة قابله المتظاهرون باقتحام المقار الرسمية، وفي مقدمها مقر الحزب الوطني الحاكم في القاهرة، الذي أضرمت النيران فيه لتلتهمه كله، قبل أن يشعل المحتجون النيران في عربات الشرطة التي وقعت بين أيديهم.
كذلك تجمّع المحتجون أمام مبنى التلفزيون، قبل أن تتحدث الأنباء عن اقتحام باحته الرئيسية، فيما أحرق آخرون قسم شرطة عين شمس في شرق القاهرة.
ومع انتشار أعمال نهب على أيدي مجهولين في ظل حملة حرق منظمة للمقار الحكومية، ترددت معلومات أن الشرطة تعمدت الانسحاب لإشاعة الفوضى، بعدما سلط النظام مجموعات مهمتها حرق مقار الحزب الوطني وأقسام الشرطة ومقار أمن الدولة، للقضاء على ما تحتويه من مستندات قد تدين قيادات حزب المؤتمر الوطني الحاكم والحكومة في حال سقوط النظام في أية لحظة.
ووسط مخاوف من امتداد عمليات النهب إلى المتحف الوطني، دعت «جبهة شباب مصر»، قوى المعارضة إلى الاقتداء بالتجربة التونسية وتكوين مجالس شعبية تحافظ على الممتلكات العامة والخاصة، ولمنع أي محاولات تخريبية أو نهب من «البلطجية وضعفاء النفوس». وسرعان ما استجاب المحتجون للنداء، مانعين الوصول إلى بوابتي المتحف، فيما عمد الجيش في وقت متأخر من الليل إلى نشر مدرعاته في محيط المتحف، بالتزامن مع نشر وحدات في منطقة تضم عدة سفارات بينها السفارتان الأميركية والبريطانية، وأخرى خصصت لحماية المنشآت العسكرية وبعض المؤسسات.
وعلى غرار القاهرة، قفزت السويس إلى الواجهة طوال أمس، بوصفها مسرحاً للمصادمات بين القوات الحكومية والمحتجين. كذلك بدأ نشطاء على الإنترنت بوصف المدينة بأنها «سيدي بوزيد» مصر، في إشارة إلى المدينة التونسية التي بدأت فيها الاحتجاجات التي أطاحت الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي ونظامه. وتوترت الأوضاع في المدينة، بعدما أدى استخدام الشرطة الرصاص الحي لتفريق المتظاهرين إلى مقتل أحد المحتجين، ويدعى حمادة لبيب السيد، قبل أن تشير فضائية «الجزيرة» إلى ارتفاع عدد القتلى في المدينة إلى 13 شخصاً، فيما تحدثت المعلومات عن سقوط 180 مصاباً بينهم 20 في حالة الخطر، وسط نداءات أطلقتها المستشفيات للتبرع بالدم.
وفي السياق، وضع المتظاهرون السيد في نعش وساروا به في شوارع مدينة السويس، شرق البلاد، وسط هتافات منددة بالشرطة، التي اضطرت إلى الانسحاب بعدما عجزت عن احتواء التظاهرات، لتترك وراءها نحو 8 شاحنات كبرى على الأقل تابعة لها، سرعان ما حطّمها المحتجون وأحرقوها، قبل أن يهاجموا قسم شرطة الأربعين بوسط المدينة، ويستولوا على الأسلحة فيه بعدما هرب منه رجال الشرطة.
وقال سائق سيارة تاكسي في وسط البلد، لم يشأ الكشف عن هويته، إن «التضخم أرهق الناس، وأسعار الغذاء مرتفعة وأسعار الوقود والكهرباء والسكر ترتفع. الأغنياء يزدادون غنىً والفقراء يزدادون فقراً»، فيما يتهاوى الاقتصاد على وقع خسائر البورصة وتراجع قيمة الجنيه.
وأضاف «الله وحده يعلم ماذا سيحدث اليوم. فبعد تونس يمكن أن يحدث أي شيء».
وفي الإسكندرية، وقعت اشتباكات مماثلة بين آلاف المتظاهرين والشرطة فور انتهاء صلاة الجمعة في مسجد القائد إبراهيم بميدان محطة الرمل، وهي الساحة الكبرى بوسط المدينة.
مع انتهاء الصلاة، بدأ المتظاهرون يهتفون «مش عاوزينه، مش عاوزينه»، فيما استخدمت الشرطة القنابل المسيّلة للدموع، وأطلقت رصاصاً مطاطياً في الهواء لتفريقهم، غير أنهم اتجهوا ناحية شارع الكورنيش وهم يقذفون قوّات الأمن بالحجارة.
وبعد ساعات من الكرّ والفرّ، أشعل المحتجّون النار في مبنى المحافظة إثر استيلائهم عليه.
لاحقاً، شُلّت حركة القطارات بعد خلع قضبان سكة الحديد في المحافظة، فيما تصدى أهالي كفر الدوار لمحاولة تفجير محطة الكهرباء.
وتمدّد غضب المحتجين إلى الأقصر، حيث اقتحم المتظاهرون استراحة المحافظ ومقر الحزب الوطني في المحافظة، ومقر المجلس الشعبي المحلي، مشعلين النار في المباني الثلاثة، وسط محاولات حثيثة بذلتها فرق الإطفاء لإخماد النيران.
في المقابل، اختار المحتجّون في دمنهور، عاصمة محافظة البحيرة، مقر مباحث أمن الدولة ومقر الحزب الوطني، بعد فرار قوات الأمن، لإشعال النار بعد دهس سيارات الأمن شخصين، فيما أضرم متظاهرون في مدينة كفر الدوار النار في مركز الشرطة بالمدينة وفي مبنى المحكمة، قبل أن يُصاب المحتجون باختناق جرّاء القصف بقنابل الغاز المسيّل للدموع.
وفي المنصورة، عاصمة محافظة الدقهلية، تظاهر الآلاف أيضاً. ونزع المحتشدون صور الرئيس مبارك في شارع النيل، وأنزلوا اللافتة التي تحمل اسم الحزب الوطني الديموقراطي الحاكم عن واجهة مقره، واضعين علم مصر بدلاً منها.
كذلك كانت حال مدينة المنيا جنوبي القاهرة، حيث انتظم بضعة آلاف من المحتجين في مسيرة رافقتها الشرطة من دون تدخُّل. وقال شهود إنّ المحتجين حاولوا اقتحام مقر الحزب الوطني في المدينة، لكن الشرطة استهدفتهم بالطلقات المطاطية. أما في شمال سيناء، فأجبر مسلحون ضباط قسم شرطة الشيخ زويد في شمال المحافظة وجنوده على الاستسلام، بعدما أطلقوا الرصاص بكثافة على المقر، احتجاجاً على مقتل شاب وإصابة طفلة ورجل بنيران الشرطة أثناء احتجاج أمام قسم الشرطة كان قد بدأ قبل أربعة أيام.
(الأخبار، أ ب، أ ف ب، يو بي آي، رويترز)