تونس | أعلنت سفارة قطر في تونس، في بيان رسمي أول من أمس، في مناسبة الاحتفال بعيدها الوطني، منحها هبة لتونس بـ٢٠ مليون دولار لتعويض ضحايا التعذيب والاستبداد. وقد تزامن إعلان هذه الهبة مع انطلاق مشروع مرسوم ٩٧ لتعويض جرحى الثورة والشهداء. غير أن كتلة حركة النهضة الحاكمة أصرّت في المجلس الوطني التأسيسي على استبعاد شهداء وضحايا انتفاضة الحوض المنجمي في شهر كانون الثاني ٢٠٠٨ التي كانت بداية اهتزاز صورة النظام السابق بجدية في العالم.

وتمسك وزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية القيادي في «النهضة»، سمير ديلو، الناطق الرسمي باسم الحكومة، بإحالة هؤلاء الضحايا على مشروع «العدالة الانتقالية». فقط أثار ردود فعل غاضبة في منطقة المناجم، إذ خرج المئات في تظاهرات ليلية في مدينة الرديف ومحيطها.
كذلك، نظّم السكان وأهالي ضحايا انتفاضة المناجم مسيرات جابت المدينة رافعة شعارات تندد بالحكومة وبحركة النهضة، التي أطلقوا عليها أبشع النعوت، وخاصة في «التنازل عن سيادة القرار الوطني وخيانة دماء الشهداء الذين سقطوا من أجل الحرية التي قادت الإسلاميين إلى الحكم».
وتتهم القوى السياسية حركة النهضة بمحاولات الالتفاف على نضالات الحركة الديموقراطية من خلال قانون «التعويض للمساجين السياسيين»، الذي تريد «النهضة» أن تصوغه على قياس مناضليها الذين ستصرف لهم المليارات من خزينة الدولة، في وقت يعاني فيه الاقتصاد التونسي مخاطر الإفلاس، حسب اتهامات خصومها لها.
في السياق، أعلن أحد القياديين النقابيين ومساجين الحوض المنجمي، عدنان الحاجي، أن تمسكه بالتعويض هو مسألة رمزية أكثر منها مادية، وأنه سيواصل النضال دفاعاً عن الحرية كما في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.
وهذا الموقف نفسه أكدته السجينة السابقة في أحداث المناجم، زكية الضيفاوي، التي انضمت أيضاً إلى المطالبة باعتبار ثورة ٥ يناير ٢٠٠٨ التي اندلعت فيها أحداث المناجم، حدثاً وطنياً يجب التوقف عنده مثل ١٧ كانون الأول ٢٠١٠ في سيدي بو زيد، وصولاً إلى ١٤ كانون الثاني المعتمد الآن عيداً وطنياً.
وقانون تعويض المساجين السياسيين أُثير في بداية الصيف الماضي وقد كان من بين الأسباب التي دفعت وزير المالية حسين الديماسي، إلى الاستقالة آنذاك، التشهير بالقانون ودعوته إلى تأجيله.
وكانت غالبية زعماء اليسار من مساجين العهد السابق، قد أعلنت رفضها لأي تعويض عن نضالها من أجل الحرية، لكن قادة حركة النهضة تمسكوا بحقهم في التعويض الذي سيشمل المئات منهم ويكلّف مبالغ طائلة.
وقد أدى طرح «النهضة» مشروع قانون التعويض في بداية الصيف إلى احتجاج شعبي كبير حاولت النهضة عبر وسائل الإعلام التخفيف من وطأته عبر التأكيد أن هذه التعويضات لن تكون من خزينة الدولة. وجاءت الهبة القطرية لتؤكد مقاصد قادة النهضة عن الجهة التي ستموّل المشروع.
وكانت ترقية وزير التعليم العالي والبحث العلمي القيادي في «النهضة»، منصف بن سالم، منذ أيام إلى أستاذ تعليم عالٍ بمفعول رجعي (منذ أيلول ١٩٨٧) وصرف نحو ٢٧٠ ألف يورو، كتعويض، قد أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الجامعية.
ملف آخر يُعمّق التباين بين «النهضة» التي تقود الائتلاف الحاكم والمعارضة هو ملف تعويض الجرحى والشهداء ومساجين الرأي وضحايا الاستبداد.
هذا الملف سيلقي بظلاله على السنة السياسية الجديدة، وخاصة مع احتداد الجدل بشأن الدستور وتحديد موعد الانتخابات، وفي وقت تعتبر فيه المعارضة أن الحكومة فشلت في الاستجابة للأولويات التي ثار من أجلها الشعب؛ التشغيل والفقر والحرية.