حمص | عدّة أيام من الإقامة في المدينة الصعبة على مدى شهور من الثورة السورية، هي ما يتطلبه الأمر لفهم واقع حمص الجديد وهدوئها المفاجئ بعد شهور طويلة أنفقتها «مدينة التعايش» سابقاً في حوار الرصاص والبنادق. الوضع مختلف في حمص اليوم. ثلاثة أيام من انقطاع جميع أنواع الاتصالات، عانت منه البلاد بأكملها، تجعل المرء أكثر حيرة. لا طريقة لفهم ما يجري، إذ لا سبيل للتواصل مع شهود المرحلة الخطرة التي عاشتها المدينة، والحال أمسى كمن يفتّش عن ظلّه في يوم غائم، لكن.. لا بأس.


جولة مسائية قصيرة بين وادي الذهب شرقاً باتجاه شارع الخضري وصولاً إلى باب الدريب تشرح كثيراً من تراجيديا المعارك، التي قامت في المنطقة؛ فقد دارت بين أصحاب هذه البيوت المتجاورة والمتداخلة أول الحروب وأقساها. يفصل بين بيوت الحيّين الشعبيين المختلفَين طائفياً والمؤتلفين فقراً أوتوستراد وحيد مظلم ليلاً، إذ لا سكان في الحي بعدما هاجم بعض أهالي باب الدريب منازل جيران العمر إبّان الأحداث الأخيرة، فكان الردّ صاعقاً من الجار المتأهّب الذي «دافع عن بقائه» بطريقته؛ فأفرغ الحيّ الجار من سكّانه، وبيوته مما فيها، في ما يسميه أهالي المنطقة تندراً «معارك شرق وغرب الطريق»، في إشارة إلى الأوتوستراد الفاصل بين الفريقين.
التوجه نحو باب السباع كان عن طريق خط سير حي عكرمة الجديدة ــ حي النزهة ــ حارة الخضر. وللتوّ، كان قد تمّ تفكيك عبوة ملصقة بكفة ميزان في أحد محالّ الخضار في حي النزهة. لحيّ باب السباع حصته من الظلام أيضاً، ونوافذ معظم منازله المقفلة تشهد أن المنطقة شهدت أحداثاً غير عادية إلى أن هجرها أهلُها تاركينها عرضة للنهب والسلب، لتباع بعدها أغراض منازلهم بأرخص الأسعار في تجمعات صغيرة في المدينة، أُسوةً بأحياء عدّة.

سوق السرقة

«سوق السرقة»، اسم أطلقه أحد الشباب الحماصنة على أحد الأماكن، أضحى فرصة للضحك والتندر. هو نقطة تجمع صغيرة يباع فيها كل ما نهب في المراحل الأخيرة لسرقة المنازل التي هجرها أهلُها أو هُجّروا منها، بعدما تمّ إفراغها من أدواتها الكهربائية والمفروشات وبقية الأشياء الثمينة. التسمية تعبّر تماماً عن البضائع التي تباع في المكان. هُنا يمكنك شراء كل الأشياء الرخيصة المستعملة، بدءاً من المراحيض وصولاً إلى أواني المياه في الحمامات، وليس انتهاء بالقواطع الكهربائية والسجاد والملابس المدرسية. السوق يختصر الشرخ الحاصل في حياة أهل المدينة، حيث يتهم أهالي المناطق الثائرة الشبيحة بسرقة منازلهم وإفراغها من محتوياتها على خلفية نكبة أحيائهم ونزوحهم منها، وبيعها في حي عكرمة ذي الطبيعة الموالية للنظام. «سوق السرقة» ليست تسمية قميئة فحسب، ولا يكفيه أنه ملوّث بأغراض الجيران المسروقة، بل محاط أيضاً بالقمامة بطريقة مستغربة. الحاويات حول السوق مليئة بالأوساخ، وكذلك الأرض من حولها، ما يثير تساؤلات عن عمل البلدية أو المحافظة في حمص. تساؤلات بنفس السياق تُثار عند كل مفرق أو شارع فرعي حول الطرقات غير المعبّدة والإهمال الواضح للمدينة.
ليس فقط لأهل المعارضة شكاويهم من سرقات «الشبيحة» للمنازل، بل لأهل المناطق المؤيدة المتاخمة للأحياء الساخنة هواجسهم وخوفهم أيضاً، ومعهم أيضاً أبناء الأقليات الذين هربوا من مناطق التوتر خشية التهديدات، ما حوّل تلك المنازل بفرشها وجميع محتوياتها أهدافاً سهلة لعناصر الجيش الحر. فبعد نهب السوق الأثري القديم «المقبي» في حمص القديمة من قبل عصابات مجهولة، ارتفعت الاتهامات لتطال الموالين، فيما يؤكد مراقبون حياديون في المدينة أن هؤلاء لا يخفون مسروقاتهم، إذ إن هذه المناطق بالنسبة إليهم تحتوي على منازل «أعداء الوطن والمتآمرين عليه». أما مسروقات السوق «المقبي»، التي اختفت فتعني أن العصابات تتبع لفريق آخر يعرف كيف يصرّف المسروقات بصمت.

متاهة حيّ الزهراء

الطريق إلى حي الزهراء ذي الطبيعة المؤيّدة للنظام قد يؤدي إلى الموت قبل الوصول. والتجوّل في الحيّ يتطلّب حظاً جيداً؛ فالقناص المواظب على القتل منذ شهور عديدة يجعل الحظوظ متساوية ما بين الحياة والموت. والمتوقع أنه متمركز في أحد أحياء حمص القديمة المتاخمة لحيّ الزهراء؛ قد يكون في حي الورشة، باب تدمر، وادي السايح أو الحميدية. من يعلم؟ إنما الجميع يعلم أن حصاده اليومي في الإصابات يراوح بين شخص وثلاثة أشخاص. أما شائعات القبض عليه، فهي أيضاً شبه يومية. قد لا تكون شائعات، وربما يكون هناك أكثر من قناص، أو لعلّه أكثر من عشرة قناصين. ففي النهاية يستمر القتل.
مشهد غريب يخيم على المكان. جدران عالية من «البلوك»، قد يصل علوّ بعضها إلى 10 أمتار، تتموضع بشكل «زيك زاك»، حسب تعبير أهالي الحي، لتشكّل ما يشبه المتاهة الممتدة من ساحة الزهراء «الشمسية» حتى تقاطع المهاجرين ــ الأرمن. المنظر يدعو للدهشة، ولكنه في الوقت ذاته طريقة مبتكرة لتجنّب الرصاصة، وحرق يوم إضافي في الحياة. في هذا الحي صبر السكان طويلاً. تصرّفوا على أنهم «أم الصبي» وحاضن مؤيدي النظام. حاولوا الصمت عن كل الاعتداءات منعاً لإحراج القيادة، إنما لم يسألهم أحد عن أحوالهم، ففضّلوا رفع السلاح وتخليص حقهم بأيديهم. لا يخلوا منزل من مفقودين ومخطوفين أو فتيات مغتصبات، وكل ذلك يعني أن جثثاً، بالضرورة، عادت إلى الحيّ مقطّعة ومنكّلاً بها، ما فجّر حقداً رهيباً لن تستطيع المدينة أن تمحيه بسهولة، بعدما أدى إلى محاولات للرد بالمثل ومضاعفة القتل.

لا تزال مدينة للموت

الموت في كل مكان. شهداء للجيش والقوى الأمنية قادمون بتوابيتهم من دمشق وغوطتها. خيَم العزاء كيف ما ذهبتَ. ففي حمص المنكوب قطعاً ليس أحد الأطراف على حساب الآخر، مهما بدت الأحياء المؤيدة قلعة من قلاع الأسد، الفقر يبقى سائداً وكذلك فقد العائلات لمعيليها. وسط المدينة مغلق بحواجز. لا يمكن للمرء الدخول إلى ساحة الساعة، التي شهدت أحداثاً أمنية عنيفة، أو منطقة الوعر، إلا إذا كان من أهالي المنطقة. أحد العناصر على حاجز للأمن يسأل: «قادمون من دمشق؟ من الجيد أن أحداً من العاصمة تذكّر أن هُناك مدينة تدعى حمص». العتاب في حمص لا ينتهي. الناس يعتبرون أن السلطة تخلت عنهم وتركتهم لمصيرهم، يواجهونه وحدهم عن البلاد بأكملها. أصوات المدفعية لا تزال واضحة، إنما تصالح السكان مع صوتها. بينما أصوات الرصاص التي تسمع بين وقت وآخر ليست ناجمة عن اشتباك، إنما «تشييع شهيد» كما يقول الأهال. الرصاص أصبح عنواناً للقتل والتشييع معاً، ولكثرته لم يعد يخيف حتى الأطفال الذين
يلعبون في الحارة.

درب بابا عمرو المسدود

حزينة المدينة المهمَلة التي فقدت أكثر من نصف سكّانها. هُنا يمكنك الهرب من زحام العاصمة الذي لا يطاق. حمص شبه فارغة. الكهرباء ضيف حبيبٌ ينتظره أهل المدينة بشغف، حيث يمكنه أن يغيب سبع ساعات متواصلة، فيقضي الأهالي أوقاتهم على ضوء الشموع أو يختصرون سهراتهم بالذهاب إلى النوم باكراً. والسير في الشوارع مساءً أثناء انقطاع التيار الكهربائي، يهيئ الأذهان الى تخيّل أشباح أشخاص تم خطفهم في مثل هذا الظلام، كلما اقتربت سيارة من الرصيف. صور الرئيس بشار الأسد تغطي شارع العشاق والأحياء من حوله، أمرٌ افتقدته العاصمة نفسها منذ زمن. «منحبّك» كلمة ترافق الجولة في المكان مع عبارات عديدة عن «رجال الأسد» الذين مرّوا من هُنا، أو «رجال الله».
وبهذه المناسبة، فإن تعداد لابسي البزات العسكرية كبير جداً بالمقارنة مع عدد المتواجدين في كل شارع.
الوصول إلى مخيم اللاجئين الفلسطينيين المتاخم لبابا عمرو سهل؛ فالمخيم هو صلة الوصل ما بين أحياء حمص المؤيدة وبين المنطقة المتوترة. من هذا المكان، كان يحصل مسلحو بابا عمرو على إمداداتهم الغذائية ويدخلون إلى باقي الأحياء. وبما أنه من الطبيعي أن يخرج أهالي المخيم لشراء حاجياتهم من المناطق الأُخرى، يصبح ضبط المنطقة وزوارها أمراً صعباً. عبر شارع البرازيل يمكنك أن تراقب بدايات بابا عمرو، الذي يفصل عن الشارع بمتاريس وحواجز للجيش السوري. مبانٍ سوداء وجدران متهدمة. خراب شاهده العالم عبر الشاشات. لا جديد في هذا. جدار إسمنتي يفصل بابا عمرو عن الإنشاءات، بينما يتواجد فيه بعض أهله وعناصر الجيش السوري. البعض في حمص يقول: «لا يزال عناصر الجيش الحر يتواجدون في كل مكان من بابا عمرو إلى وسط البلد». جملة أُخرى يقولونها: «انتبه. القناصة هُنا في كل مكان». قناصات للجيش السوري وأُخرى لمسلحي المعارضة، والمباراة في لعبة الموت لم تنتهِ بعد.
في حمص، المدينة فقدت ملامحها. عادت آثارها للتذكير بثمانينيات القرن الماضي، بينما خسرت أعين فتياتها الجميلات بريقها، وصارت نظرات من تبقى من رجالها أشدّ قسوة.




جلسات حمصية

على طريق الشام، يجلس المهندس زياد ابن إحدى أقدم العائلات الريفية التي سكنت المدينة، في منزله الكبير، شارحاً جذور عائلته التي قدمت من القرية لتستقر في حمص منذ أكثر من خمسين سنة، ولا تزال حتى الآن توصم بين أهل حمص الأصليين بأنّها عائلة ريفية، بفوقية تشابه التمييز بين عائلات السور الدمشقية وباقي العائلات خارج السور.
أما مازن، الشاب الحمصي المتزوج حديثاً، فينقم على كل شيء؛ فهو غير راضٍ عن أداء النظام منذ ما قبل الأزمة وخلالها أيضاً. وفي الوقت نفسه، يعترض على المعارضة السورية الطائفية، شارحاً خيبة أمله في أبناء شعبه وشركاء وطنه، الذين تفتّقت لدى بعضهم أحقاد عمرها أكثر من ألف عام وصار همّهم الوحيد «إسقاط بشار الأسد وليس النظام، لأسباب واضحة في لا وعيهم إنما لا يعترفون بها، بدليل قبولهم بكل من انشق عن نظام الحكم من فاسدين».
ومازن، المطلوب اليوم إلى قوات الاحتياط، يرفض الالتحاق متذرعاً بخدمته في الجيش الشعبي بمنطقته، إذ لم يعد يعنيه أن يخدم العلم في المناطق النائية بينما حيّه يعاني ما يعانيه، ويزداد الخطر يومياً على عائلته.