انشغل سياسيو البحرين، موالين ومعارضين، خلال الأسبوع الماضي بإطلاق تصريحات حول الحوار الوطني، ما أوحى بوجود خطط للنظام في هذا الإطار، أو ثمة ما يجري وراء الكواليس من أجل إطلاق حوار وطني شامل وجدّي لحل الأزمة التي تراوح مكانها منذ قرابة العامين، وتُكبد المملكة الصغيرة كلفة باهظة من اقتصادها الوطني وسمعتها الدولية. لكن في الواقع، ما من دعوة رسمية إلى الحوار وُجهت الى المعارضة بعد، وما من مشروع للسلطة بهذا الاتجاه، وكل ما في الأمر، أن التصريحات كانت ردود فعل على خطاب ولي العهد الأمير سلمان أمام منتدى حوار المنامة، والذي دعا فيه الى نبذ العنف، وحلّ الأزمة عبر الحوار والاستماع الى صوت الأغلبية. وهو ما استدعى ردّاً فورياً من قبل المعارضة بترحيبها بما أدلى به ولي العهد، وتأكيدها على نبذ العنف، في بازار إعلامي أكثر منه «ردّاً على دعوة»، يهدف الى صدّ مزايدة السلطة على الحوار أمام المجتمع الدولي، فيما تواصل حملات التضييق على المعارضة على الأرض.


مع ذلك، فإنّ هذه التصريحات تأتي في ظل أجواء داخلية ودولية مؤاتية، وقد تمهّد لإجراء مثل هذا الحوار، وخصوصاً أن المعارضة قالت إنها تقبل به «من دون شروط مسبقة»، وهو ما عدّه بعض المعارضين المتشددين، في حديث لــ«الأخبار»، بمثابة تنازل «وخفض سقف المواجهة». لكن المعارضين المعنيين مباشرة بحوار كهذا سارعوا الى نفي ذلك بشكل قاطع، وقال أحد نواب جمعية «الوفاق» المعارضة السابقين، إن وضع شروط مسبقة على أي حوار من شأنه أن يستجلب شروطاً مقابلة من قبل السلطة، «كأن تطلب من المعارضة أن توقف نشاطاتها الاحتجاجية، وهذا أمر لا يمكن أن نقبل به».
وفي حديث لـ«الأخبار»، يقول النائب الوفاقي المستقيل، علي الأسود، إن بيان المعارضة، الذي صدر عقب خطاب ولي العهد كان بياناً تقليدياً، القصد منه إلغاء حجة وانهاء فبركات النظام، كي لا يأخذ نقطة سلبية على المعارضة بأنها لا تستجيب لدعوات الحوار، وان كانت مجرد كلام، مؤكداً عدم وجود أي دعوة أو لقاءات رسمية بهدف الحوار.
وعن الهدف من وراء إطلاق تصريحات حول الحوار، يقول الأسود إنّ النظام يستغل وجود شخصيات دولية هامة في البحرين لإرسال رسائل إيجابية. ويذهب الى تحليل التيارات المتجاذبة داخل السلطة ليبين أنّ الأجواء الداخلية تُمهد لإجراء مثل هذا الحوار. ويقول إن التيار الليبرالي الذي يقوده ولي العهد دعم هذا التوجه منذ بداية الأزمة، وهو يستند إلى المجتمع الدولي والمعارضة، التي سبق لها أن اتفقت مع ولي العهد في آذار 2011 حول مخرجات للأزمة عادت وصاغتها بعد أشهر تحت ما يسمى وثيقة المنامة، وقدّمتها على أنها مبادرتها للحل السياسي. وأن يخرج ولي العهد بعد صمت طويل، ليُعلن أنه يؤيد الحوار ويدعو الى سماع صوت الغالبية، يعني أن شيئاً ما بجعبته، وهو شيء جدّي، لأنه إذا فشل هذه المرّة، فعليه أن يختفي لسنوات وليس لأشهر، كي يعود للأضواء، على حدّ تعبير النائب الوفاقي. ولهذا، فإن تصريحات ولي العهد قد تعني أن هناك ما يري تحضيره بقصد إخراج البلاد من أزمتها.
أما أكثر المتضررين من الأزمة الحالية، ويدفعون بكل ثقلهم نحو الحل، فهم التجار، الذين تضررت مصالحهم؛ فمنذ اندلاع الانتفاضة لحقت خسائر مالية هائلة بالقطاع الاقتصادي تقدّر بملايين الدولارات، لكن النظام يحاول أن يتخطاها بالتعتيم حيناً، وبالأموال الخليجية، التي حوّلت له مليارات الدولارات في بداية الأزمة، حيناً آخر. هذا التيار يدعم بقوة ولي العهد ومبادرته، على اعتبار أنه الأقدر على حل الأزمة وتأمين الاستقرار.
تيار آخر، يشير اليه النائب المستقيل، وهو تيار رئيس الوزراء خليفة، الذي يعارض إعطاء أي مكاسب للمعارضة، أو أي حل يقوم على الحوار، بما أنه سيكون أول الخاسرين؛ فالمطلب الرئيسي الذي رفعته الحركة الاحتجاجية كان رأس رئيس الحكومة، الذي يحكم منذ أكثر من 40 عاماً. لذلك، فإن أي حلّ لن يكون الا على رحيله. وحسب الأسود، فإن خليفة في الوقت الحالي مهمش الى حد بعيد من قبل المجتمع الدولي وحلفائه السعوديين. اذ إنه لا يُدعى لأي نشاط دولي، ويجري تجاهله كونه السبب المباشر للاحتجاجات وانتهاك حقوق الإنسان. وبالنسبة للسعوديين، فهؤلاء، وبسبب مرض الملك وولي العهد، مشغولون بأنفسهم وبوراثة العرش. بعد وفاة ولي العهد الأمير نايف لم يعد يجد خليفة من يلجأ اليه. ولهذا، كانت كلماته الأخيرة قبل أيام مؤثرة جداً، وكأنه يستجدي عطف المواطنين.
في المقابل، هناك من يساند خليفة داخل مجلسي النواب والشورى، ويرفض أي حوار. وذهب البعض شأن محمد المسلم، الى حدّ رفض خطاب ولي العهد، بل ومهاجمته، على اعتبار أنه لا يملك أي صفة تنفيذية، ولا يحق له توجيه الدعوات إلى الحوار وخطابه، متسائلاً أمام مجلس الشورى أين رئيس الحكومة من الدعوة الى الحوار؟ وتجدر الاشارة في هذا السياق الى أنّ مثل هذه الانتقادات سبق أن صدرت خلال المباحثات بين المعارضة بقيادة «الوفاق» وولي العهد عقب اندلاع الانتفاضة.
يبقى الجناح المتشدّد، صاحب الخيار الأمني واليد الطولى في النظام، بقيادة وزير الديوان الملكي الشيخ خالد بن أحمد، وهذا، بحسب الأسود، يهتم بالسيطرة على مخرجات أيّ حل سياسي، وبالتالي قد لا يعارض الحوار، ما دام سيعلم نتائجه مسبقاً.
إضافة الى ذلك، فانّ هذا التيار، وبحسب مصادر مطلعة أخرى، كان يربط الى حدّ بعيد الأزمة الداخلية بما يجري في سوريا. وتقول هذه المصادر إنه كان يُتوقع أن تخفت الاحتجاجات في البحرين مع سقوط نظام بشار الأسد، بما أنه يتهم المعارضة بالارتباط بإيران، لكن مع طول أمد الأزمة في سوريا، وإصرار المعارضة على مطالبها، وجد أن إعادة الاستقرار الى المملكة عبر حل سياسي، سيكون السبيل الأفضل لحمايتها من عواصف المنطقة. وتستدلّ المصدر على ذلك، بأنّ موضوعي البحرين وسوريا كانا قد طُرحا في اجتماع لـ «5 +1» في روسيا، على اعتبار أن حلّهما لا يكون الا عبر الحوار.
هذا بالنسبة إلى الأوضاع الداخلية، أما الأجواء الخارجية، فربما لن تكون مؤاتية أكثر من اللحظة الراهنة، ولعلها الدافع الأساسي باتجاه أي حلّ ممكن، ولا سيما الضغوط الأميركية والبريطانية. ويؤكّد الأسود، المقيم حالياً في لندن، أنّ بريطانيا فتحت ذراعيها للمعارضين خلال الأشهر الماضية. ويقول إن طريقة التعامل معهم تغيرت كثيراً عن بداية التحركات الاحتجاجية، حينها كانوا يتهمون دوماً بالارتباط بإيران، مشيراً الى أنه في إحدى جلسات مجلس اللوردات، ناقش معارضون توصيات بسيوني بحضور مسؤولين بحرينيين، مضيفاً أنه في نهاية الجلسة «طلبت مصافحة أيديهم، والذهاب معهم فوراً الى المنامة من أجل إجراء حوار وطني شامل، لكنهم رفضوا ذلك».
إضافة الى الموقف البريطاني، يشير الأسود الى الوفود الدولية والحقوقية التي تأتي لزيارة البحرين وتدعو الى الاصلاحات. وكان «حوار المنامة» الذي نظمه المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، قبل أيام، مناسبة لزيارة المسؤولين الأميركيين للمعارضة والاطلاع على مواقفهم. وقد أكد مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الديموقراطية وحقوق الإنسان والعمل، مايكل بوسنر، خلال وجوده في المنامة أن «البحرين شريك مهم وحليف للولايات المتحدة، ولدينا مصلحة مشتركة في تعزيز الأمن على المدى الطويل بالاعتماد على إصلاح حقيقي»، مرحباً في الوقت نفسه بدعوة ولي العهد. وكان الرئيس الأميركي، باراك أوباما، قد دعا المملكة في أكثر من مناسبة للقيام بالإصلاحات.
ويبدو أن الزيارات الدولية لن تقف هذا الشهر عند حوار المنامة، اذ يرتقب أن يحضر وفد من الاتحاد الأوروبي مؤلف من 7 برلمانيين إلى المنامة ما بين 19 و20 من الشهر الجاري، على أن يبحث موضوع حقوق الإنسان، ويرفع تقريره الى الاتحاد، ما يمكن أن يؤثر سلباً على النظام ان لم يقدم الى حينه على أي خطوات مشجعة تمهد لإقامة حوار وطني يقرّ الإصلاحات.
وفي ظل هذه الأجواء المؤاتية، توقعت مصادر معارضة أن يكون خطاب الملك المرتقب بمناسبة العيد الوطني في 16 الشهر الجاري مناسبة كي يدعو الى حوار وطني، فهل يقرر حكام آل خليفة «النأي بالنفس» عن الأحداث والتجاذبات الإقليمية، ويخطو أولى خطواته باتجاه الإصلاحات، بما أن اسقاط النظام مستبعد حتى اللحظة بحكم موازين القوى على الأرض، ويُعيد للأرخبيل استقراره؟

حشد عربي ودولي في بيروت لدعم حراك البحرينيّين



تستضيف بيروت على مدى يومين المؤتمر الدولي لدعم الديموقراطية وحقوق الإنسان في البحرين، والذي ينظّمه منتدى البحرين لحقوق الإنسان، بحضور حشد كبير من الحقوقيّين والسياسيّين عرباً وغربيين

افتتح منتدى البحرين لحقوق الإنسان، في بيروت، أمس، المؤتمر الدولي لدعم الديموقراطية وحقوق الإنسان في البحرين، والذي يبحث في انتهاكات حقوق الإنسان بالمملكة والإصلاحات وتقرير بسيوني وحق الشعوب في تقرير مصيرها من خلال جلسات متتالية اليوم، بحضور شخصيات دولية وعربية.
وخلال حفل الافتتاح أمس، عرض فيلم وثائقي عن الانتهاكات في البحرين، قبل أن تُلقى كلمات لكل من رئيس المنتدى يوسف ربيع والمتحدث السابق باسم جماعة الإخوان المسلمين في الغرب، الدكتور كمال هلباوي، وعضو الأمانة العامة لجمعية «الوفاق» الوطني الإسلامية المعارضة، مجيد ميلاد، ورئيس كتلة المواطن في البرلمان العراقي، بيان جبر، والإعلامي غسان بن جدو، وعضو لجنة حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف أنجولي ماتو، والنائب اللبناني نوار الساحلي، وكلمة لمنظمة العفو الدولية ألقاها زهير مخلوف، إضافة الى كلمة تركيا ألقاها الشيخ صلاح القدير.
ويواصل المؤتمر أعماله اليوم من خلال جلستين، إضافة الى الجلستين الافتتاحية والختامية.
يبحث خلالها المحتشدون مجموعة من المواضيع، منها حالة الديموقراطية وحقوق الإنسان في المملكة، يتوقع أن يناقشها في ورقة بحثية الباحث رودني شكسبير، ومشكلة ازدواجية المعايير، وحق الشعوب في تقرير مصيرها والمشاركة في الحكم، وكشف الجرائم من خلال تقرير بسيوني، إضافة الى القانون الدولي والإفلات من العقاب والتعذيب واستخدام الأسلحة المحرمة دولياً في البحرين ودور الأطباء والإعلام
العربي.
وكان رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر، يوسف ربيع، قد أكد أن الشخصيات المشاركة سيشكل بعضها مفاجأة للسلطة، التي ستتساءل كيف تمكّن المنتدى من جمع هذا العدد الكبير من الشخصيات المهتمة بدعم الحريات وبحقوق الإنسان، بمن فيهم شخصيات دولية. وأوضح أن هناك مشاركات من دول صديقة وحليفة للسلطات البحرينية، وهي تشكل حالة اختراق للغطاء الأميركي الأوروبي الداعم للحكومة البحرينية، وبالتالي ستُطرح تساؤلات حول سبب استمرار تأمين غطاء أميركي لعمليات القمع، وعن الخلفيات التي تدفع بريطانيا الى توفير الغطاء الأمني ومد الحكومة البحرينية بالأسلحة، عدا عن الاستشارات الأمنية والوجوه البريطانية التي استُقدمت للبحرين للاستفادة من خبراتها في قمع التحركات المطالبة بالديموقراطية، بحسب ربيع.
ومن خلال الاطلاع على لائحة الحضور، يتبين أن هناك شخصيات دولية بارزة من الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا وتركيا ومصر والبحرين والسعودية والكويت، بينهم الناشطة تارا أوغرادي والإعلامية امبر ليون، التي طردت من «سي أن أن» على خلفية الفيلم الوثائقي، ومدير الشبكة العربية لحقوق الإنسان في القاهرة، جمال عيد.
وهذا المؤتمر هو «عبارة عن جهد حقوقي وإعلامي يهدف إلى الدفع لتحقيق المطالب العادلة للشعب البحريني في التحول الديموقراطي وتعزيز حقوق الإنسان»، بحسب منظمي المؤتمر. وفي كلمته أمام المؤتمر، قال بيان جبر، الذي ألقى كلمة باسم رئيس المجلس الإسلامي الأعلى السيد عمار الحكيم، إن «حركة الشعوب هي النتيجة الطبيعية لتطور فكرها وحقوقها». وأشار الى أن «البحرين تستحق أن تحل الملفات العالقة لتخطو الى المستقبل وتستعيد الثقة المفقودة بين الحاكم والمحكومة».
وشدد على أن «الشعوب إذا بدأت خطواتها لنيل حريتها فلن تتراجع أبداً مهما طالت المسيرة»، وأن «الحقوق لا بد منها، وأن إرادة الشعوب لا تمتلك كي تكسر، بل هي إرادة لا تقهر».
وأكد «أننا نلتزم بمبادئ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للشعوب الشقيقة، ولكن ندافع عن المظلومية لأنها قضية إنسانية. وأننا نتألم للوضع الراهن، فالشعوب هي الباقية والأنظمة الى زوال».
شهيرة...