عقب أحداث الثورة المصرية، امتدح كثير من المراقبين الدور الذي أداه شباب جماعة الإخوان المسلمين في موقعة الجمل بجانب شباب الألتراس وبعض شباب الحركات الثورية في الدفاع عن ميدان التحرير، إلا أن اللافت للنظر كان الطريقة المنظمة التي يتحرك بها شباب الجماعة في الدفاع عن الميدان آنذاك، وهو ما أرجعه الكثير إلى الدقة النظامية التي تمتاز بها الجماعة.


لكن بعد عام بالضبط، وأمام مجلس الشعب، وقف عدد كبير من أعضاء الجماعة أمام مجلس الشعب ليحُولوا دون وصول متظاهرين أراد بعضهم تسليم طلبات «الثورة والثوار» إلى النواب الجدد قبل أن تندلع اشتباكات بين الطرفين.
هذان المشهدان لم يتوقف الكثير عندهما، إلا أنه مع أحداث قصر الاتحادية، عاد إلى المشهد اتهام «قديم» للجماعة بأنها تملك «ميليشيات» تستخدمها لقمع معارضيها. ووصلت الاتهامات إلى حدّ لم تصل إليه منذ الاستعراض التي شهدته ساحة جامعة الأزهر عام 2007، ونفذه الإخوان بملابس سوداء حينها بملابس تشبه حركات المقاومة الإسلامية في فلسطين.
هذا الاتهام فتح باب الجدل واللغط على مصراعيه للتحقق من طبيعة المشتبكين في كثير من الأحداث التي كان الإخوان طرفاً فيها. إسماعيل الإسكندراني، باحث في علم الاجتماع السياسي وشاب صاحب نشأة إخوانية، أكد لـ«الأخبار» أن «الإخوان لا يملكون ميليشيات، بل تشكيلات غير ثابتة تسمى (الردع) كان يجري استدعاؤها للدفاع عن النفس أيام بلطجة الانتخابات في عهد مبارك»، مشيراً إلى أن «اختيار أعضائها كان يتم في الأغلب من المناطق الشعبية، إضافة إلى ممارسي الرياضة والألعاب الدفاعية من شباب الجماعة».
ويوضح الإسكندراني «أن إخوان جامعة الإسكندرية في التسعينيات كان عندهم قوة ردع مخصصة للاشتباك مع أمن كليات المجمع النظري تحديداً، وكان منهم شاب مشهور باسم «تايسون» إضافة إلى إبراهيم كمال لاعب «الكيوكسل»».
وعن بعض مهماتها، يؤكد الإسكندراني أن مجموعات الردع كانت مهمتها اقتحام البوابات المقفلة بجنازير، وفرض هيبة للتظاهرات وقايةً من القمع وليس مبادرة إلى العنف. إلا أنه يصف بعض ما حدث يوم الأربعاء الماضي عند قصر الاتحادية بأنه كان «استنفار طائفي (أي لمصلحة جماعة معينة) دُفع فيه بشباب في عمر معين وصحة معينة ليس أكثر»، مختتماً قوله بأن «ما حدث كان سلوك ميليشيات لكنهم ليسوا كذلك».
ر. ش.، شاب إخواني يبلغ 27 عاماً، كان قريب الصلة من أحداث الاتحادية، يخالف الإسكندراني في أن ما حدث كان «سلوك ميليشيات». وفيما أكد أن من كانوا في ميدان التحرير أثناء الثورة هم مجموعات ردع بالفعل لحماية الميدان، لفت إلى أن ما حدث أمام الاتحادية كان عفوياً. وأوضح أن «المجموعات المكلفة بالنزول كانت من منطقة التجمع الخامس في القاهرة، وظلت فترة طويلة في حالة نقاش حاد وتلاسن أحياناً مع الموجودين عند القصر، حتى جاء شباب من المحافظات الأخرى ورأوا الخيام فثاروا هاتفين وحطموها. وتوالت الأحداث المعروفة، وهو ما استلزم حينها تشكيل مجموعات ردع وقتية من الموجودين ولم يكن مجهزاً لها».
ويوضح الشاب الإخواني «أن استخدام من كان في الجهة المقابلة للرصاص الحي والخرطوش والغاز، استنفر الشباب الإخواني، فكان من يقع في أيديهم يعامل بعنف كرد فعل»، لكنه أقرّ بأن «من نزل على وقع الأحداث استخدم الخرطوش ضد المعارضين أثناء الاشتباكات». كما أشار إلى «أن ترك الشرطة للمقبوض عليهم هو ما دفع بعض شباب الإخوان إلى تكبيل بعضهم، واحتجاز البعض الآخر، لشعورهم أنهم بين المطرقة والسندان».
ويلفت الشاب إلى أن الجماعة الآن تكتفي بالمجموعات التي تقف عند منطقة رابعة العدوية، لتتحرك لردع من يقتحم القصر حال استدعى الموقف تدخلهم، مشدداً على أن مجموعات الردع لم تستخدم بشكل مقصود منذ انتهاء الثورة. وحول ما إذا كانت مجموعات الردع تستخدم في «تأديب» المعارضين للجماعة، لفت إلى أن هذا لم يحدث نهائياً.
من جهته، يرى الباحث والناشط الحقوقي هيثم أبو خليل، وهو أحد الكوادر الإخوانيين السابقين، أن الجماعة لا تملك «ميليشيات»، «وإلا كان أمن الدولة حرر لها قضية حقيقية بهذا في عصر حسني مبارك». ويلفت إلى أنه على الرغم من تغلغل التيار القطبي (نسبةً إلى سيد قطب) في قيادات الجماعة، لم يصل نهائياً إلى إقرار عنف الميليشيات في أدبيات الجماعة.
وعن الإعداد البدني لأفراد الجماعة، أكد أبو خليل أنه لا يتعدى طابوراً رياضياً في معسكر لا يختلف عن الطوابير الرياضية التي يقيمها الأقباط في معسكراتهم التي تجاور بعضها معسكرات الإخوان الصيفية في غرب الإسكندرية على سبيل المثال. وأشار إلى أن الجانب الرياضي تخلّف فيه الإخوان كغيره من المجالات، لرهن كل شيء داخل الجماعة لصالح الشق السياسي فقط.
نفي امتلاك الجماعة لميليشات أكده أيضاً محمود حسن الذي مكث داخل الإخوان خمس سنوات قبل أن يصبح يسارياً. الأخير شدد على عدم وجود لجنة متخصصة داخل الجماعة لهذا الشأن، كاشفاً أنه كان من بين من اشتركوا في مجموعات الردع عام 2003 في الانتخابات التكميلية في مجلس الشعب، وأن من بين المهمات التي كُلفوا بها مطاردة من يحمل بطاقات مزورة والتصدي للبلطجية. وأوضح أنهم كانوا يكلفون بهذه المهمات وقت الأزمات فقط. وغالباً ما يقود المجموعات شخص له سابق خبرة في هذه الأعمال أو له خلفية عنها، لافتاً إلى واقعة في دمنهور تم الرد فيها بعنف على ضابط تعدّى على إحدى الأخوات فيها.
وعن الأدوات التي تستخدمها هذه المجموعات، أوضح حسن أنها غالباً ما تكون أدوات غير ظاهرة مثل سارية أو عصا عليها علم مصر، أو لوحة خشبية قوية عليها دعاية انتخابية، أو بعض الحجارة من الأماكن المحيطة للاشتباك أو الأزمة. ولفت حسن إلى واقعة الاشتباك الشهيرة التي حدثت إبان تظاهرات الجامعة عام 2002 وسقط فيها محمد السقا عند مكتبة الإسكندرية، موضحاً أنه كان يوجد مجموعات مسؤولة عن التصدي للضباط أصحاب الزي المدني، ومجموعات للإعلام. وأكد أنه في حال وجود قرار لإشتراك هذه المجموعات، فإن كل شيء يكون منظماً بدقة وليس عفوياً.
أما المهندس محمد البرقوقي، أمين شباب حزب الحرية والعدالة في الإسكندرية، فأكد أن مسمّى «مجموعات ردع» مبالغ فيه، فما يحدث هو أنه حال تعرض أي فئة للبلطجة أو التعدي فإنها تكون في حال دفاع عن النفس. وهو ما يقوم به من يكون موجوداً في الحدث. وأضاف: «أثناء الانتخابات يكون لدى الإخوان خارج المقر الانتخابي لجان عمل للمراقبة ودعاية وعد أصوات، لكن لا يوجد لجنة تسمى «ردع»».
ويشدد البرقوقي، في حديثه إلى «الأخبار»، على أن «شباب الإخوان لم ولن يمارس العنف، وإلا كيف اقتحمت كل هذه المقار للجماعة ومات منا هذا العدد عند الاتحادية ولم يردوا، وقيادات الجماعة تمنعهم من الرد على هذا رغم حالة الغليان الموجودة عند الشباب؟».
وعن تحليل الظاهرة يقول الإسكندراني، «فرق الردع هي إحدى وسائل تفريغ الشحن المعنوي للجهاد المؤجل (تحرير القدس _ نصرة المسلمين في كل مكان)، وفي الوقت ذاته تفريغ لشحنات الغضب التي يشعر بها شباب الجماعة _ بصفتهم شباباً متحمسين _ حين كانوا يتعرضون للقمع الأمني في الجامعة أو البلطجة السياسية في موسم الانتخابات».
وعاد الإسكندراني إلى الاستعراض الذي نفذته الجماعة في عام 2007، مشيراً إلى أن ما جرى «في الجامعة كان تمثيلية محسوبة الأبعاد والعواقب، فلا يمكن فرق الردع أن تتجاوز خطوطاً حمراء يرسمها المسؤولون من القيادات خارج الجامعة، لكنها في الوقت ذاته كانت تنفيساً لغضب الشباب الذي كان غالباً ما يتظاهر من أجل القضايا الإقليمية والأممية ضد انتهاكات بالغة يتعرض لها المسلمون والعرب ثم يعامله الأمن المصري بقمع».
أما المشكلة الآن فتكمن في أن الجماعة لا تزال تستدعي خطاب الاضطهاد ومؤامرة الأطراف المعادية عليها، ولا يرى قادتها أنفسهم في موقع السلطة وتسيير الدولة بالمؤسسات النظامية. لهذا تم استدعاء مجموعات الردع ثانيةً يوم الأربعاء الماضي، كبديل أكثر طاعة من الداخلية المؤجل تطهيرها والجيش الذي يلعب على الحياد لعبة غير نزيهة سياسياً.