غزة ــ الأخبار

كان الانفعال والفرحة باديين، أمس، على وجوه رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس»، خالد مشعل ومن يرافقه من قادة، موسى أبو مرزوق، وعزت الرشق ومحمد نصر وصالح العاروري، وآخرون، عند دخولهم، بعضهم للمرة الأولى، الى قطاع غزّة. وأيضاً على وجوه مستقبليه من رئيس الحكومة المقالة اسماعيل هنية ومسوؤلين آخرين، والمواطنين الذين احتشدوا على الطرقات لاستقبال أبطالهم، الذين حملهم نصر المقاومة ودماء الشهداء الى القطاع المقاوم. كلمات أبو الوليد ورفاقه، عند كل محطة في اليوم الأول للزيارة، كانت مؤثرة ومعبرة، تُقاطعها ضحكات وتصفيق الأهالي.
ما أن وطأ أبو الوليد أراضي غزّة هاشم آتياً عبر معبر رفح، حتى سجد يقبل الأرض ويحمد الله. وكان في استقباله الى جانب هنية، نائب رئيس المجلس التشريعي أحمد بحر، وعدد كبير من أعضاء المكتب السياسي وقادة الحركة ووزراء ومسؤولي الحكومة، وعدد من قادة الفصائل والشخصيات الوطنية.
وفور وصوله، قال مشعل بصوت باكٍ «هذا يوم تاريخي في حياتي... وأسأل الله أن يرزقني الشهادة على أرض فلسطين». واضاف «غزة في قلبي وشاء الله أن أزورها وهي منتصرة وزيارتي أعتبرها ولادتي الثالثة، الاولى عام 56 والثانية بعد فشل محاولة اغتيالي عام 97 واليوم هي الثالثة وأسأل الله أن تكون ولادتنا الرابعة يوم تحرير فلسطين». وأكّد أن «غزّة بملاحمها المتلاحقة وبقادتها عصية على العدو الإسرائيلي»، وأن هذه الزيارة تعد الأولى بعد 37 عاما. وحيا شهداء غزة ورجال المقاومة، قائلا «لولاكم لما كنا اليوم هنا».
ورحب هنية بمشعل والوفد المرافق له، وقال «أنتم على أرض فلسطين وتتنسمون عبير فلسطين، وهذه هي الخطوات الواثقة نحو العودة»، فيما نقلت قناة «الميادين» عن مصادر احتمال تجديد «حماس» البيعة لمشعل رئيساً للمكتب السياسي خلال المهرجان المقرر اليوم، رغم ما أشيع عن عدم نيته الترشح لولاية جديدة.
وبعدما عبر الجهة الغزاوية من معبر رفح، وجد مشعل الأهالي بانتظاره وسط هتافات التكبير والترحيب. واصطف آلاف المواطنين على امتداد طريق صلاح الدين للترحيب بقائد المقاومة، ملوحين بالرايات والأعلام الفلسطينية. وكان بيت المؤسس، الشيخ الشهيد أحمد ياسين في حي الصبرة بغزة، أول محطة لزيارة مشعل والوفد المرافق له.
وفي بيت الشيخ الشهيد، أكد مشعل أن «الشيخ ياسين كان عنوان المصالحة، من غزة من معركة الكرامة وحجارة السجيل وعد منا، وعد من قيادة حماس في الداخل والخارج السير على طريق المصالحة ووأد الانقسام وتعزيز الوحدة لنكون صفاً واحداً في مواجهة المحتل». وأضاف «هذا يوم عظيم، هذه لحظة عظيمة، من هذا البيت انطلق النور، من هذا البيت المتواضع انطلق العملاق، عملاق الجهاد والمقاومة». وقال «بجانب كرسي الشهادة، كرسي القائد المؤسس، ها نحن نعيش هذا العبق وهذه الروح، هذه الجماهير بعض غرسك أيها الإمام القائد»، مضيفاً «على درب الشهيد سائرون، على خطاه». ووسط مشاعر الفرح والحماسة، قال «اليوم لقاؤنا في غزة، وغداً في رام الله والخليل والقدس وصفد وكل المدن إن شاء الله».
المحطة التالية كانت في منزل القائد الشهيد أحمد الجعبري في حي الشجاعية، حيث أكد أن «الفلسطينيين سيتوحدون في السياسة كما توحدوا على ارض المعركة، على قاعدة الثوابت والأرض والقدس وحق العودة والحقوق». وأضاف «أقسم بالله إن معركة الأيام الثمانية وهذا الانجاز والنصر الذي حققته المقاومة الفلسطينية على أرض غزة كان لأبي محمد فضل كبير فيه».
وخاطب مشعل أهل غزة، قائلاً «اجعلوا أيديكم على الزناد، وقلوبكم متحابة، ووحدوا صفكم جنباً إلى جنب، وأبقوا وحدة الصف، جئناكم فرحين بما منّ الله عليكم به، وغزة ستبقى في القلب وعلى الرأس». وحيا أهل الشجاعية، قائلاً «يا أهل الشجاعية لكم من اسمكم نصيب في غزة العزة والمقاومة والبطولة، وأنا فخور وقامتي تطاول عنان السماء من الشجاعية».
وبعد منزل الشهيد الجعبري، انتقل الوفد الفلسطيني الى منزل الشهيد محمد الهمص، الذي عمل مرافقاً إلى جانب الجعبري بعد سنوات من عمله مرافقاً مع القائد مشعل نفسه، قبل أن يزور عائلة الدلو، التي استُهدف بيتها في العدوان وارتقى نحو 12 من أفرادها شهداء، ثم مقبرة الشهداء وعدد من الجرحى.
ويشارك مشعل اليوم في مهرجان انطلاقة «حماس»، ويُتوقع أن تستمر زيارته ثلاثة أيام. وكانت زوجته أمل البوريني قد سبقته الى غزة برفقة 14 فرداً من العائلة. وهذه هي الزيارة الأولى التي يقوم بها مشعل والرشق إلى قطاع غزة، فيما تُعد الثانية لنائبه موسى أبو مرزوق، منذ مغادرته مسقط رأسه رفح في بداية السبعينيات، وللقيادي صالح العاروري، الذي زار غزة للمرة الأولى منذ نحو شهر ونصف شهر.
بدوره، عبّر الرشق عن شعوره بهذه الزيارة قائلاً «هذا أعظم شعور في حياتي، ولحظة تاريخية لا تنسى». وأضاف «أمنياتنا تحققت بأن نقبل أرض فلسطين الطاهرة». فيما رحب القيادي في حركة «حماس»، محمود الزهار بالزوار، قائلاً «مهما غاب الفلسطيني عن وطنه فسوف يعود بعد انتصار دائما».
وتزيّنت مدن القطاع منذ أيام باللافتات والصور والمجسمات، من أجل إحياء ذكرى انطلاقة «حماس» الخامسة والعشرين، كما استُكملت الاستعدادات في ساحة أرض الكتيبة غرب مدينة غزّة. وأُنجزت منصة المهرجان على شكل مجسم لخريطة فلسطين التاريخية، بحيث يكون الدخول إليها والخروج منها عبر مجسم صاروخ «M75»، فيما وُضعت إشارة لمدينة عكا المحتلة، في إشارة إلى أنّ القصف في المرة المقبلة قد يستهدفها. وانتشر الآلاف من مقاومي كتائب عز الدين القسام، الجناح المسلح للحركة، في شوارع القطاع.
وأصرّ مشعل، بحسب مصادر مطلعة، على أن يجلس وسط الجماهير الفلسطينية في ساحة الكتيبة، خلال المهرجان، حيث ينطلق من بينهم إلى المنصة لإلقاء كلمة الحركة، وسط ترقب إعلامي كبير لكلمته، حيث يتوقع أن يعلن خلالها مواقف حاسمة باتجاه اتمام المصالحة الوطنية.
وقد بدت الفرحة على المواطنين بهذا الاحتفال الاستثنائي، الذي يجري بحضور قادة المقاومة للمرة الأولى، وبعد انتصار تاريخي لهم على العدو الاسرائيلي. ويقول محمد السعافين (35 عاماً) «هذا عرسنا جميعاً حمساوياً وفتحاوياً، فبمجرد دخول بطل من أبطال فلسطين إلى أرض غزة هو انتصار لنا، وننتظر الانتصار الأكبر وهو تحقق المصالحة الوطنية».
أما الحاجة أم محمد بركة (65 عاما) فلم تنفك تطلق الزغاريد ابتهاجاً بمشهد تعبّر أنها تعيشه للمرة الثانية، بعدما استقبلت الزعيم الراحل ياسر عرفات حين دخل غزة عام 1993 ليؤسس السلطة الوطنية، والآن تستقبل مشعل وهو يدخل غزة ليؤسس مرحلة جديدة لمراحل النضال الوطني الفلسطيني.