غزّة | يرى كثير من أنصار حركة المقاومة الإسلامية «حماس» أنها وصلت إلى قمة مجدها السياسي، بعد 25 عاماً من التأسيس. هل لا تزال «حماس» نفسها بعد ربع قرن؟ من المؤكد أن هناك تباينات ما بين «حماس» اليوم والأمس؛ فقد غيّرت المستجدات على الساحة الإقليمية الكثير من مواقفها السابقة، وأحدثت ليونة سياسية وعسكرية، في وجهة نظرها وطريقة عملها وتحالفاتها.

الباحث في الإسلام السياسي محمد حجازي، يرى في حديث لـ «الأخبار»، أن «حماس» «اليوم ما هي إلا امتداد لما كانت عليه بالأمس، مع وجود فارق جديد تبعاً للمستجدات، وهو أن شهيتها السياسية زادت عما كانت تطمح إليه في السابق، آملة أن تكون جزءاً من المشروع الإسلامي الكبير الذي ينتشر في العالم أجمع».
ويؤكد حجازي أن «هناك تحوّلاً واضحاً في فكر حماس. هي تنادي اليوم بالمقاومة المسلّحة وفق أجندة خاصة بها فقط». ويضيف إن الحركة الإسلامية في غزّة «مرت بعدة مراحل، كانت أولاها الدعوة الدينية، قبل أن تنشأ حركة «حماس» وتتبنى عمليات الكفاح المسلح في أواخر عام 1987 في الانتفاضة الأولى، وبعدها عملت على إثبات وجودها كقوة عسكرية قادرة على ضرب إسرائيل، وهو ما ساعدها على الانتشار، قبل أن تخوض غمار السياسة».
وينوه حجازي بأن «حماس» «عملت في بداياتها على تعميق وجودها في الكيان الفلسطيني، من خلال المؤسسات الأهلية والاجتماعية بغرض حشد الرأي والتعاطف الشعبي، الذي أهلها لتكتسح الانتخابات البلدية والتشريعية في عام 2006، لتكون بداية انتصار سياسي جديد لحركة لم يمض على تأسيسها عشرون عاماً». لكنه يستطرد بقوله «غير أن حكمها في الخمسة أعوام لم يجد تأييداً واسعاً بين الجمهور». ويوضح أن ذلك «وضع الحركة أمام خيار صعب، وخصوصاً في ظل السخط الشعبي على دور الحكومة التي تديرها الحركة، وعلى إلقائها سلاح المقاومة والالتفات إلى السلطة ومحاولة جني ثمارها، فكانت الحرب الإسرائيلية الأخيرة لها الدور الأكبر في تحقيق إنجاز كبير لها، فبدأت تستعرض قوتها وتطلق الصواريخ، وهو ما دفع المواطنين إلى الالتفاف حولها من جديد في لحظات عاطفية». الا أن ذلك، وبحسب حجازي، «سيسمح للحركة بأن تزيد من شهيتها السياسية».
لكن الباحث عدنان أبو عامر كان له رأي مغاير، ورأى في حديث لـ «الأخبار» أن الحركة «جاءت استجابة طبيعية للظروف التي مرّ بها الشعب الفلسطيني، حيث إنها بدأت كحركة مقاومة شعبية وطنية تعمل على توفير الظروف الملائمة لتحقيق تحرر الشعب الفلسطيني من الاحتلال الغاصب». ويشير الى أن «طابع الجهادية، الذي اشتهرت به، ميزها عن فصائل منظمة التحرير، التي تؤمن بالليبرالية والعلمانية والشيوعية»، وأنه «جزء من حركة النهضة الإسلامية، تؤمن بأن هذه النهضة هي المدخل الأساسي لتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، كما هي حركة شعبية تعبر عن تيار شعبي واسع ومتجذر في صفوف أبناء الشعب الفلسطيني والأمة الاسلامية، يرى في العقيدة والمنطلقات الاسلامية أساساً ثابتاً للعمل ضدّ عدو يحمل منطلقات عقائدية ومشروعاً مضاداً».
ويقول أبو عامر إن «برنامج الثورة الفلسطينية، الذي تجمّع وتبلور في منظمة التحرير الفلسطينية تعرّض في ثمانينيات القرن الماضي الى سلسلة انتكاسات داخلية وخارجية عملت على إضعافه وخلخلة رؤيته. وكانت سنوات السبعينيات قد شهدت مؤشرات كثيرة حول إمكانية قبول منظمة التحرير الفلسطينية حلولاً وسطاً على حساب الحقوق الثابتة لشعبنا، وخلافاً لما نص عليه الميثاق الوطني الفلسطيني، وتحولت تلك المؤشرات إلى طروحات فلسطينية واضحة تزايدت بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، والاجتياح الصهيوني لجنوب لبنان ثم محاصرة بيروت عام 1982».
ويشير أبو عامر الى أن «هذا الحصار كان أكبر إهانة تتعرض لها الأمة بعد حرب عام 1967، وقد نتج عن ذلك إضعاف منظمة التحرير الفلسطينية وخروجها من لبنان، الأمر الذي عزز الاتجاهات الداعية للتوصل إلى تسوية مع العدو داخل المنظمة». وتطرق إلى «المراحل المسلحة التي تطورت الحركة من خلالها، وخاصة من خلال العمليات الاستشهادية التي كانت تهز العمق الصهيوني، وصولاً إلى سدّة الحكم عبر الانتخابات، وهو ما جعلها أمام متغير جديد على الأرض يحتم عليها التعاطي معها بحنكة سياسية كبيرة».
ويرى أن «حماس» «تعتبر ساحة العمل الوطني تتسع لكل الرؤى والاجتهادات في مقاومة الاحتلال، بما فيها أيام الحرب والسلم»، وتسعى «إلى تعزيز العمل الوطني المشترك، وترى أن أية صيغة للعمل الوطني الفلسطيني المشترك، يجب أن تقوم على أساس الالتزام بالعمل على تحرير فلسطين، وعدم الاعتراف بالعدو الصهيوني».
وحول خلافاتها مع وجهات نظر المنظمات في ساحة العمل الوطني، يعتقد أبو عامر أنّه «مهما بلغت فإنّه لا يجوز بحال من الاحوال، لكائن من كان، أن يستخدم العنف او السلاح، لفض المنازعات او حل الاشكالات». ويضيف «تدافع حماس عن قضايا الشعب الفلسطيني من غير تمييز على أساس ديني أو عرقي أو فئوي، وتؤمن بحق الشعب الفلسطيني، بكل فئاته وطوائفه في الدفاع عن أرضه وتحرير وطنه».
غير أنها ترى، بحسب أبو عامر، أن «السلطة الوطنية ليست أكثر من إفراز من إفرازات اتفاقات التعايش مع العدو الصهيوني»، وتؤمن أن «الصهاينة وافقوا على إقامة هذه السلطة لتحقيق مجموعة من أهدافهم الآنية والبعيدة».
«فالسلطة المدعومة بنحو 30 ألف مسلح يشكّلون جهاز شرطة خاص متعدد المسميات مطالبة بتنفيذ التزاماتها التي تعهدتها في الاتفاقات، وفي مقدمتها التصدي لعمليات المقاومة وضرب فصائلها بحجة حماية مسيرة التسوية»، حسب تعبيره.