بدأ المجلس الوطني السوري، يوم أمس، اجتماعات مصيرية في الدوحة، تهدف إلى تعزيز قاعدته التمثيلية، في ظلّ أزمة ثقة مع الولايات المتحدة الساعية إلى قيام حكومة سورية في المنفى. وسيعمد زهاء 286 عضواً إلى تعديل نظام المجلس لزيادة عدد أعضائه، وانتخاب هيئة عامة جديدة يوم الأربعاء. إلّا أنّ الأنظار تتّجه إلى يوم الخميس، الذي سيجتمع فيه المجلس الوطني مع هيئات وشخصيات معارضة أخرى في إطار «اجتماع تشاوري» دعت إليه جامعة الدول العربية وقطر.


ويتوقع أن يبحث اجتماع الخميس إنشاء حكومة في المنفى. ويفترض أن يؤسس اجتماع الخميس لقيام كيان جديد موسّع، تنبثق عنه حكومة في المنفى. وقال رئيس المجلس عبدالباسط سيدا، في كلمة افتتاحية، إنّ اجتماع الخميس هو «لقاء تشاوري بين المجلس الوطني السوري والقوى الميدانية في الداخل، والأطراف الأساسية في المعارضة السورية بهدف التباحث حول توحيد الرؤى والمواقف، وحتى تشكيل هيئة مسؤولة تمثّل كلّ السوريين تكون بمثابة سلطة تنفيذية». وشدّد على أنّ «المجلس الوطني السوري هو الركن الأساس والضامن، الذي لا يمكن الاستغناء عنه في مرحلة ما قبل سقوط النظام». وعبّر سيدا بوضوح عن الاستياء من «جهود كثيرة بذلت وتبذل من أجل تجاوز المجلس الوطني السوري والبحث عن هياكل بديلة»، كما اعتبر أنّه «كان السعي المستمر من أجل اتهام المجلس بالقصور والعجز أو الانغلاق، وكان التضييق المادي على المجلس ولا يزال».
من ناحيته، أوضح الرئيس السابق للمجلس الوطني، برهان غليون، أنّ مبادرة قيام كيان معارض موسّع في اجتماع الخميس هي مبادرة «أميركية»، وهي تحت مسمى «هيئة المبادرة الوطنية السورية». وذكر أنّ هدف اجتماع الخميس هو «جمع كلّ المعارضة السورية للتفاهم حول أجندة وطنية، وتبنّي وثائق المعارضة المتفق عليها والخروج بهيئة تجمع كلّ أطراف المعارضة». وأشار غليون إلى أنّ فكرة إنشاء كيان موسع للمعارضة «ليست سيئة، لكن لدينا تحفظات على طريقة طرحها، إذ بدت للبعض كأنّها تأتي في إطار نفي ما سبق، وإذا كان هذا الأمر صحيحاً فنحن نعتبرها مبادرة غير منتجة». كما جدّد غليون رفض المجلس أن تكون المبادرة الجديدة بديلاً منه، معتبراً أنّها «ستصبح منتجة إذا حولناها إلى غرفة عمليات للمعارضة، وذلك لتسريع إسقاط النظام». والمهمة المنتظرة من المبادرة الوطنية السورية ستكون، بحسب غليون، «توحيد القوى العسكرية في الداخل، وتشكيل جهاز تنفيذي بتسلم مهمات حكومة منفى»، متوقعاً ألا يتمّ إعلان حكومة المنفى في اجتماع يوم الخميس. وقال «أرى أنّ ذلك يجب ألا يتجاوز شهرين من الآن».
ورداً على سؤال عما إذا كان يعتقد أن الأميركيين قد خذلوا المجلس الوطني السوري بطرح هذه المبادرة الجديدة، قال غليون «خذلونا منذ 20 شهراً، لا الآن فقط. نعم نعتقد أن المجتمع الدولي قد خذلنا».
بدوره، أكّد المعارض السوري البارز رياض سيف، الذي طرح اسمه لتولي رئاسة حكومة سورية في المنفى، أنّه لن يكون مرشحاً لهذا المنصب، موضحاً أنّ المعارضة السورية تستعد لإنتاج «قيادة سياسية» جديدة، خلال اجتماعها الموسع الخميس. وقال سيف «لن أكون مرشحاً لرئاسة حكومة منفى بأيّ شكل من الأشكال، أنا عمري 66 سنة، ولديّ مشاكل صحية... أنا أحبّ سوريا وقد عدت للعمل السياسي بعد الثورة، لكنني أعتقد أنّ هناك المئات من الشباب السوريين القادرين على تبوّء هذا المنصب». وتابع سيف «سأكتفي الآن بالمساعدة على تشكيل قيادة سياسة يرضى عنها الشعب السوري والعالم». وبحسب سيف، فإنّ «المبادرة ليست بديلاً من المجلس الوطني، لكن المجلس الوطني يجب أن يكون جزءاً مهماً منها، فإسقاط النظام يلزمه ألف مجلس وطني». وأضاف «في يوم 8 تشرين الثاني، سنخرج قيادة سياسية، وهي التي ستشكل حكومة تكنوقراط في أقرب وقت ممكن، وحينها ستقرّر القيادة الجديدة مقرّ الحكومة في القاهرة أو غيرها». وأعرب عن تفاؤله «بهذه الحركية الجديدة في مسيرة كفاح الشعب السوري، الأشياء يجب أن تتغير الآن». كما توقع أن تعترف مئة دولة أو أكثر بالكيان المعارض الجديد.
وقالت مصادر في المعارضة إنّ نجاح مبادرة سيف سيعتمد جزئياً على مدى قدرته على مقاومة ضغوط المجلس الوطني السوري، لتطعيم المجلس الجديد بأعضاء من المجلس.
في السياق، ردّت «هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديموقراطي» على دعوتها لحضور مؤتمر الدوحة، وأكدت، في بيان لمكتبها التنفيذي، «أنّ هذه الدعوة ينقصها التحضير الجيّد والمشاركة المسبقة في الإعداد، إضافة الى إشارات توحي بأنّ هذه الدعوة لا تعبّر عن إرادة السوريين المستقلة. لذلك، وعلى ضوء ما تقدم، فإن هذا المؤتمر المزمع عقده لن يكون خطوة بناءة في عملية توحيد المعارضة بقدر ما سيكون طريقاً لزيادة الفرقة والتشرذم. ولذا قرّر المكتب التنفيذي عدم مشاركة الأحزاب والشخصيات المنضوية في الهيئة بهذا المؤتمر».
في موازاة ذلك، اعتبر وزير الخارجية الإيراني، علي أكبر صالحي، في مقابلة صحافية، أنّ اجتماعات فصائل المعارضة السورية غير مفيدة، بل يجدر أن تعقد المعارضة لقاءات مع الحكومة السورية لتشكيل حكومة انتقالية. وقال صالحي «إنّنا نرحّب بأيّ لقاء بين الحكومة والمعارضة ونشجعه، أما أن تجتمع فصائل المعارضة في ما بينها، وتناقش الأزمة حسب رؤيتها فهذا غير مفيد، وما لم تجلس الحكومة والمعارضة إلى طاولة الحوار فإننا لن نصل إلى نتيجة». وأضاف «إنّ إحدى النتائج التي يمكن أن تخرج عن اجتماع الحكومة والمعارضة هي تشكيل حكومة انتقالية، حسب ما يتفق عليه الطرفان، إذ ليس من المعقول وضع التصورات وتسمية المسميات قبل الدخول في الحوار».
وحول الأنباء عن مشاركة إيرانيين في القتال إلى جانب النظام السوري، قال صالحي «إذا كان هذا صحيحاً فليأت هؤلاء بأدلتهم، وليقدموا لنا بعضاً من هؤلاء الإيرانيين المتطوعين الذين يقاتلون في سوريا». وأضاف «على أيّ حال، نحن في حالة تحدّ مع الغرب، وكما ذكرت أكثر من مرة فإنهم سيحمّلون إيران مسؤولية التسونامي الذي ضرب أندونيسيا لو استطاعوا، ولقد تعودنا على مثل هذه الاتهامات».
من جهتها، رحّبت دول مجلس التعاون الخليجي باجتماع أطراف المعارضة السورية في الداخل والخارج. وقال الأمين العام للمجلس، عبد اللطيف الزياني، «إنّ دول المجلس تعتبر انعقاد هذا الاجتماع التشاوري فرصة مهمة للمعارضة السورية للعمل على الوصول إلى رؤية شمولية، تحقق تطلعات الشعب السوري الشقيق وتلبي مطالبه المشروعة، الأمر الذي سيساعد على حشد المزيد من الدعم والتأييد الدولي لقضيته العادلة». وأوضح أن عقد هذا الاجتماع في مدينة الدوحة، «يعكس الاهتمام الكبير والدعم المستمر الذي توليه دولة قطر ودول مجلس التعاون لمساعدة الشعب السوري الشقيق، على تجاوز الوضع المأسوي والمعاناة اليومية التي يقاسيها على جميع الأصعدة في الداخل والخارج». وعبّر الزياني عن تمنيات دول المجلس بأن يحقق هذا الاجتماع «للشعب السوري آماله وتطلعاته ويحفظ لسوريا وحدتها وسيادتها».
(أ ف ب، رويترز، يو بي آي)