لا أعرف كيف استدرجتني «مخيمات» لأكتب عن برج البراجنة! ولا أعرف لم اختارتني «العفريتة» الساكنة في كل المخيمات الفلسطينية في الوقت نفسه، لأنبش عشقي ومواجعي، وأسطّر كلمات عن 33 سنة في حياة تختصر في مخيم، أو وطن صغير اسمه برج البراجنة، عشت فيه وعاش في قلبي وعقلي.


حين كنت طفلاً أوائل السبعينيات، كان والدي فهد مرة «أبو العبد» يصطحبني مداورة مع إخوتي، لنجرّب ونتعلّم، من مخيم الرشيدية قرب صور، الى بيروت لزيارة الأقارب هناك. كنا نزور عمي خالد (أبو شاهر) في مخيم تل الزعتر، وعمتي طليبة (أم عبد الله)، ونعرج على برج البراجنة لنزور عمتي صديقة (أم فخري).
وعلاقتي بمخيم برج البراجنة تعود الى ذاك الوقت، لكنها توطدت بعد عام 1975. فقد حولت اسرائيل مخيم الرشيدية منذ عام 1974 إلى مكان لا يحتمل العيش فيه بسبب قصفها المتواصل. وشيئا فشيئا، صارت الحياة هناك صعبة للغاية، فقرّر جهاد الدليل، المغترب، زوج أختي عطاف الموظفة في الأونروا، الانتقال إلى برج البراجنة.
هكذا اصبحنا نكثر المجيء إلى المخيم لزيارة أختي. وكانت عطاف تحرص، كلما سنحت الفرصة لها، على الإرسال في طلبنا كي نقيم عندها، لتخفف عنا صعوبة العيش في الرشيدية، ولتجمعنا بأبنائها الذين هم في مثل سنّنا. وكنت أنا وإخوتي وأبناء أختي نبقى معاً، ونأكل معاً، ونلهو ونشقى معاً.
بقينا نتردد إلى مخيم براج البراجنة حتى كان شهر آذار/مارس 1979، يومها تعرّض مخيم الرشيدية ومحيطه لقصف إسرائيلي عنيف بمدافع 155 و175. كان الوضع لا يحتمل، فقرّر والدي (رحمه الله) إبعادنا عن المخيم. كان قراراً استراتيجياً خطيرا لوالدي الذي ناضل في فلسطين، وكان منزلنا في بلدة سحماتا موقع قيادة لجيش الإنقاذ، فقصفه الطيران الحربي الإسرائيلي.
وكان والدي يرفض مغادرة مخيم الرشيدية، ويرفض الذهاب للملجأ للاحتماء من القصف الذي كابدنا مآسيه طوال خمس سنوات، خصوصاً ان تسعين بالمائة من أهالي المخيم غادروه، لكن بقينا نحن، وبقيت والدتي. كانت حسنية محمد (أم العبد) رحمها الله، تنقلنا «كالدجاجة التي تنقل صيصانها» كما كانت تقول، من مكان إلى آخر لحمايتنا من القصف.
منذ عام 1979 إلى اليوم، أقمنا في مخيم برج البراجنة في ستّة منازل. الأول دمّره الاحتلال عام 1982، والثاني دمّرته الحروب الملعونة مع حركة أمل، والبيوت الأخرى كانت محلّ تهجير دائم.
في الرشيدية، الذي غادرته وأنا في الثالثة عشرة من عمري، تعلمت العاطفة والرومانسية والصمود. وفي برج البراجنة تعلمت الحياة والانفتاح والسياسة، وعايشت صخب المدينة وقساوة العيش.
في برج البراجنة انضممت إلى الحركة الإسلامية بشكل تنظيمي، فاجتمعنا عام 1982 في مسجد الروضة لنقرّر كيف نواجه الاحتلال وواجهناه، ثم اجتمعنا عام 1983 لحراسة المخيم من أي مجزرة جديدة، كالتي ارتُكبت في صبرا وشاتيلا، ثم أسسنا مجموعات عسكرية للدفاع عن المخيم، وشكلنا نواة العمل الإسلامي الفلسطيني الذي صار اسمه حركة حماس في لبنان.
في المخيم تعرفت إلى أهله الطيبين، وإلى شبابه الرائع، وإلى رجاله المخلصين، وإلى عائلاته الكريمة.
هنا تعلمت ودرست، وعملت وشقيت، ولعبت وضحكت، وحزنت وبكيت.
هنا أنشأنا «شللاً» تعرف الشقاوة، وتدبّر المقالب، وتتحدى الملل.
هنا تعرفت إلى مجموعة امتهنت السياسة، واحترفت النضال.
هنا تعرفت إلى فتاة طيبة من المخيم اسمها سمر حليمة، صارت أماً لأولادي الأربعة تحملني وتحملهم.
أسير في أزقة مخيم برج البراجنة، وعند كل «زاروب» قصة، وعند كل منعطف حكاية.
هنا أنشأنا ملعباً لكرة القدم، حفرناه بالأظفار، وهنا نظمنا أول مسيرة بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في 30 آذار/مارس 1983 ذكرى يوم الأرض، وهي أول مسيرة فلسطينية في بيروت بعد خروج الثورة الفلسطينية، وفي عهد الرئيس أمين الجميّل، فاعتقلتنا السلطات اللبنانية، وسجنت في المحكمة العسكرية في منطقة المتحف لمدة أسبوع مع قادة التظاهرة.
هنا عشنا أروع أيام الدراسة، في مدرسة «مبرّة الملك فيصل»، التي تُعرف باسم «مدرسة السعودية»، وهنا شاغبنا في مدرسة تلتزم النظام والطاعة، حتى اضطر مدير المدرسة الأستاذ أحمد عرابي لإحضار قوة عسكرية من الكفاح المسلح الفلسطيني في شباط/فبراير 1982، فطوقت المدرسة واعتقلتنا، واقتادتنا إلى سجن أبو الهول قرب المدينة الرياضية، وعُرضنا على القضاء العسكري الفلسطيني في بناية مجاورة، ونحن بعد فتياناً في السادسة عشر عاماً.
ولبرج البراجنة ايضاً طعم الخسارة والفقدان كما فيه حلاوة المراهقة وشقاوة الشباب، هنا فقدت أعز أصدقائي، شركاء الطفولة والحياة، خسرتهم في الحروب المتعددة: محمد عبد الحليم (أبو تمام)، صقر حليمة (أبو دجانة)، كمال علي (أبو عمر)، نضال مرة وغيرهم.
في برج البراجنة تتعلم فلسطين، وتتعلم معنى الحياة ومعنى الألم.
برج البراجنة، مخيم، مثل غيره من المخيمات، وحياة مثل غيرها من حيوات اللجوء والتشرّد. صعوبة ما بعدها صعوبة، مرارة تضج منها المرارة، صبر لا يحتمله الصبر.
هنا تتعلم كيف تغتسل يومياً بمياه البحر، وهنا تتعلم العيش بلا هواء ولا كهرباء، وهنا تتعلم معنى فقدان الشمس والقمر والنجوم.
هنا تختبر قدرتك على الحياة، وسرّ إيمانك بالله، وعظمة تمسّكك بحقّ العودة.
هنا تختبر الحب، وتختبر الخيانة.
هنا تختبر الوطنية، وتختبر المتاجرة.
هنا تشاهد ألف روح تحثّك على العطاء، وتشاهد ألف جسد يحثّك على النضال، وألف قلب يرجوك أن تبادر إلى الرحمة، وألف يد تقف إلى جانبك، لتمضي أنت في رحلة تقرّب إلى الله، وهي رحلة تبدأ بالإيمان وتمرّ بالإنسان.
هنا تشاهد المرتشين والسماسرة والكذابين، الذين يبيعون ماضيك وحاضرك ومستقبلك باسم الوطنية. يرفعون اسم فلسطين، ويطعنونها في الليل ألف طعنة، يحملون اسم التحرير ويدمّرون عقول الأطفال وقلوب الشباب، ينادون بالتضحية ويسرقون تعب الرجال وقوت الأطفال وحلم الصبايا.
مخيم برج البراجنة، يا زهرة العمر، يا جورية حمراء، يا رائحة الياسمين.
يا سرّ الحياة، ووجه القمر، وعطر الدم.
يا بسمة الفرح، وهدأة الليل، ونور العطاء.
في جنباتك أناس طيبون تحبهم ويحبونك، تدرك أنك سترجع معهم إلى وطن اسمه فلسطين.




ربما كان رأفت مرة من افضل الشخصيات التي تمثل «حركة حماس» امام جمهور غير متدين. من مؤسسي الحركة في لبنان، رجل منفتح، مرن، مبتسم، مبادر.. هو الوجه الذي تتمناه الحركة لنفسها بين من يقتصر ايمانهم على القضية الفلسطينية دون التطرق الى السماء. يتلقف كل مبادرة قد تصب في مصلحة اهله، ولا يتورع عن الاتصال لشكر هنا او هناك. هكذا، كرّم باسم الحركة «مخيمات» بعد اسابيع على ظهورها، محتفياً بنا وبها. وهو رجل مؤمن، تميزه بدلا عن «زبيبة» الجباه، ابتسامة نابعة من قلب نظيف. يتمنى المصالحة الفلسطينية ولو انه قد يهز برأسه يأساً حين تتعمق معه بالحديث، لتكتشف بعد حين ان كل الحق كان مع تلك الابتسامة الصادقة الحزينة.