بات من شبه المحسوم، وبحسب تأكيدات قيادات رفيعة المستوى في حركة «حماس»، أن خالد مشعل (أبو الوليد) لن يحتفظ بمنصب رئيس المكتب السياسي للحركة. فالانتخابات الداخلية لـ«حماس»، التي من المفترض أن تنتهي في الأيام القريبة المقبلة، ستفرز رئيساً جديداً للحركة، أو قديماً جديداً، بحسب ما هو متداول من أسماء مرشّحة لخلافة مشعل.
قرار مشعل يأتي مفاجئاً ومن خارج سياق ما جرى التداول به في الأشهر الماضية، ولا سيما أن الرجل كان قد سبق الحديث عن إمكان تنحيه، وهو ما حرّك وساطات عدّة أدت إلى عدوله عن الفكرة. إلا أن الأمور عادت إلى المربّع الأول في أعقاب الاجتماعات الأخيرة التي عقدتها قيادات من الحركة في القاهرة للتفاهم على ترتيب البيت الداخلي. الاجتماعات أفرزت معطيات مغايرة لما اتُّفق عليه في الأشهر الماضية، ولا سيما مع بروز ما يمكن تسميته «تيّار غزّة» موحداً بشقيه، العسكري والسياسي، وساعياً إلى نيل الدور القيادي في الحركة، في ضوء المتغيرات الإقليمية، ولا سيما تولي حركة «الإخوان المسلمين» الحكم في مصر، ما فتح منفذاً لتيار القطاع، الذي كان الحصار وعدم القدرة على الحركة مانعَين من تولي أعضائه مناصب قيادية في المكتب السياسي.
مصادر مشاركة في اجتماعات القاهرة تروي لـ«الأخبار» تفاصيل الخلاف الذي أدى إلى إعلان مشعل اعتكافه عن خوض الانتخابات على رئاسة المكتب السياسي، رغم أن له حظوظاً كبيرة في الفوز بالمنصب. وتشير إلى أن «الفكرة من الأصل أن أبو الوليد لم يكن راغباً في الدخول بمنافسة على المنصب، وكان يشترط التوافق أو الإجماع على اسمه، وهو ما اتُّفق عليه قبل نحو 9 أشهر»، في إشارة إلى المرة الأولى التي سرّب فيها مشعل عدم رغبته في تجديد ولايته.
وتوضح المصادر أنه، في حينها، تدخّل وسطاء كثر على الخط، حتى إن وفداً من الجناح العسكري للحركة في غزة التقى مشعل، وأكد له التمسّك به رئيساً للمكتب السياسي. وعلى هذا الأساس جرى التراجع في المرة الأولى عن التلويح بعدم الترشّح. غير أن اجتماعات القاهرة الأخيرة أتت بمعطيات جديدة باغتت مشعل، حين طرح «تيّار غزّة» أسماءً للتنافس على رئاسة المكتب السياسي. وتضيف أن المفاجئ في الأمر كان توحّد الجناحين السياسي والعسكري على الأمر، على عكس ما كان عليه سابقاً.
وتردّ المصادر ذلك التغيير إلى التحالف الذي نسجه رئيس الحكومة المقالة، إسماعيل هنية، مع العسكر في الانتخابات الداخلية لقطاع غزّة في «حماس». وتشير أيضاً إلى تحالف ضمني بين تيّار غزة والرئيس السابق للمكتب السياسي، موسى أبو مرزوق، وعلى هذا الأساس كان طرح اسمه مع هنية، من قبل هذا التيّار، لخلافة مشعل.
وتشرح المصادر أن التبدل الطارئ على موقف «تيار غزة» مستوحى من فكرة قديمة يروّج لها قياديّوه، هي أنهم الأحق في القيادة من الموجودين في الخارج، معتبرين أنهم هم الذين قاتلوا وتعرضوا للعدوان والتآمر الداخلي والحصار، وهم الذين أرسوا أسس حكم «حماس» وقوّتها. ويستند هذا التيار إلى أنه صاحب التعداد الأكبر في عدد المنتسبين للحركة، رغم أن ذلك لا ينعكس في مجلس الشورى إلا بمقدار الثلث، بحيث يتوزّع الباقي على الضفة والخارج والأسرى. وتوضح أن تيّار غزة بتحالفاته الخارجية، في إشارة إلى أبو مرزوق، قد يصل إلى نحو 40% من الأصوات، ليبقى عنصر الحسم في يد تيّار الضفة.
توجه أصوات الضفة لا تزال غير واضحة، ولا سيما في ظلّ خلافات قديمة أيضاً بينه وبين تيّار غزة. خلافات نابعة من العلاقة المتوتّرة بين أهالي الضفة وأهالي غزّة، يضاف إليه رؤية تيّار الضفة أنه كان البادئ في النضال، وتعرّض لسنوات لملاحقات إسرائيلية وفلسطينية وأسر، وأن تيار غزّة استأثر بعد ذلك بالقرار.
وفق هذه التحالفات والحسابات، فإن اسم رئيس المكتب السياسي سيبقى غامضاً حتى اللحظة الأخيرة، فإلى الآن لم يتسرّب إلا اسما هنيّة وأبو مرزوق لتولّي المنصب. وتشير المصادر إلى أرجحية أبو مرزوق بالنسبة إلى تيّار غزّة، على اعتبار أن هنيّة يشغل منصب رئيس الحكومة في القطاع. إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة نيل أبو مرزوق المنصب بسهولة، إذ تلمّح المصادر إلى وجود بين 7 و8 مرشّحين غير معروفين إعلاميّاً قد يشكلون مفاجأة ويحسمون الموقف لمصلحة أحدهم. لكن رغم هذه الرواية عن دور «تيّار غزّة» في إقضاء مشعل، يصرّ قياديو هذا التيار على أن ما يجري هو نموذج ديموقراطي في إطار «التداول على السلطة». عضو المكتب السياسي لـ«حماس»، القيادي بالحركة في غزّة، خليل الحيّة أكّد لـ«الأخبار» عدم رغبة مشعل في الترشّح، غير أنه نفى وجود خلاف بينه وبين القيادات في غزّة. وقال إن «أبو الوليد أكد في اللقاءات الأخيرة أنه لا يريد الترشح في الدورة القادمة لقيادة الحركة لوجوده منذ فترة طويلة في المنصب». وأضاف: «رغم أن النظام في حماس يسمح بدورة أخرى، لكنه أراد ترك المجال لآخرين». وعن المعلومات التي تتحدث عن دور لـ«تيّار غزّة» بقرار مشعل، قال الحيّة: «نحن في غزة رجوناه منذ 9 أشهر أن يرجع عن هذا القرار، وكل ما يشاع في الإعلام أنه خرج بسبب إشكاليات، هو غير صحيح». وأضاف: «مشعل له كل الاحترام، وهو لم يعد رمزاً لحماس فقط، بل أصبح رمزاً وطنياً وفلسطينياً يحمل فكر الإسلام والمقاومة، وأبو الوليد أكبر من كل ما يشاع».




دور محتمل في «الإخوان» | تدخّل بديع؟

على عكس المرة السابق التي أعلن فيها رئيس المكتب السياسي لـ«حماس»، خالد مشعل، عدم نيته الترشّح مجدداً، لم تتحرّك الوساطات داخل «حماس» أو خارجها لثنيه عن مسعاه، إذ بات من المسلّم به أن أبو الوليد لن يكون مجدّداً على رأس المكتب السياسي. لكن رغم ذلك، فإن الباب لم يُغلق نهائياً بعد عن إمكان عودة مشعل عن قراره، لكن هذا القرار يتطلب تدخّلاً على مستوى رفيع وحازم. وتشير مصادر مشاركة في اجتماعات القاهرة، إلى أن مثل هذا الدور لا يمكن أن يقوم به إلا المرشد العام للإخوان المسلمين في مصر، محمد بديع، الذي يحظى باحترام أطراف الحركة كافة، إضافة إلى تمتعه بسلطة روحية على «حماس»، التي تعدّ جزءاً من التنظيم العالمي لـ«الإخوان». لكن مثل هذا التدخّل لم يحصل إلى الآن، ليبقى احتمال خروج مشعل من رئاسة المكتب السياسي الأكثر ترجيحاً.
لكن مشعل قد يبقى، رغم ذلك في المشهد، مع احتمالات أن يؤدي دوراً في المستقبل بالتنظيم العالمي للإخوان المسلمين، معتمداً على الشعبية التي راكمها خلال فترة توليه لرئاسة المكتب السياسي، إضافة إلى الكاريزما التي يتمتع بها.



المنصب ليس محسوماً لموسى أبو مرزوق، إذ إن التحالفات والحسابات قد تفضي إلى مفاجأة بإيصال شخص غير معروف



مشعل لم يكن راغباً في الدخول بمنافسة على المنصب، وكان يشترط التوافق أو الإجماع على اسمه لقبول رئاسة المكتب السياسي



هنيّة تمكّن من نسج تحالف بين الجناحين السياسي والعسكري في قطاع غزة ليطرحا مرشّحين آخرين في اجتماع القاهرة



لا خلاف خارجيّاً

تستبعد مصادر في حركة «حماس» أن يكون الخلاف على الملفات الخارجية، ولا سيما العلاقة مع سوريا وإيران، جزءاً أساسياً ممّا يجري في الترتيبات لانتخابات المكتب السياسي للحركة. وتشير إلى أن تيار غزّة متقدّم بدرجات على خالد مشعل في الموقف من سوريا، وتذكّر بأن قياداته، إضافة إلى موسى أبو مرزوق، كانوا السبّاقين في إدانة عنف النظام في دمشق والوقوف بصراحة إلى جانب الشعب السوري. لكنّها توضح أن الخلاف الأساسي هو في ملف المصالحة الفلسطينية والعلاقة مع السلطة، الذي ظهر مع توقيع اتفاق القاهرة مع حركة «فتح» قبل أكثر من عام، حين اعتلى أبو الوليد المنبر ليعطي فرصة للتسوية السياسية التي يقودها الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وهو ما أثار حينها عاصفة من ردود الفعل الشاجبة ضد مشعل، وخصوصاً من قبل قيادات غزّة.