هو ذاك الغريب


هو ذاك الغريب، ملامحه ليست عربية، لا يتحدث لغتنا، لكن..فجأة أصبح بيننا. سرق أرضنا، طعامنا وملابسنا، أصبح هو الأساس وخرجنا نحن من الصورة! فجأة أصبح التاريخ تاريخه، والأرض أرضه، كرامته أقدس من كرامتنا، من حقولنا، من مساجدنا وكنائسنا! تشرق شمس العالم لأجله، يجاهر من منابر الأمم «بحقه» في أرضنا، فيطأطئ العالم رأسه له، أصبح مركز الكون وكلنا ندور حوله. لمَ؟ لأنه أذكى؟ «ألعن» بالعامية؟ كنا ببساطة نخاف منه، أجل، أكثرنا يخاف منه! خلناه سوبرمان أو سبايدر مان، لا تستطيع قوّة بشرية التفوق عليه!
عندما كنت صغيرة كان جميع الكبار يا عزيزتي يهددونني بـ «اليهودي»، لا أعرف لماذا، كل ما أعرفه أنني كنت أخاف من اليهودي في صغري! كنت أعاند النوم وأصرّ على السهر، فيأتيني من يقول «إسه اذا ما نمتي بيجي اليهودي ياخدك!»، فأذهب إلى النوم مباشرة بدون تردد! حتى اليوم، عندما نشتم نستبدل صفات: لئيم، خبيث، غشاش، محتال، بيهودي! لا تسأليني منذ متى كانت كلمة «يهودي» مسبّة أو «بعبعاً» يُهدد به الأطفال الأشقياء، أعرف فقط أني جئت من سلالة لطالما اعتبرت اليهودي أدنى درجات البشر، أو مخلوقاً شيطانياً شريراً عليّ الخوف منه! خلال عدوان إسرائيل على لبنان، وقد حظيت بشرف معاصرة اثنين منها في 1996 و 2006، لم أر جندياً إسرائيلياً واحداً، رأيت الطائرات فقط. لم يخطر في بالي ولا مرة أن من يقود الطائرة أو الدبابة هو كائنٌ من لحم ودم، يخاف، يموت وينزف. كنت لا أستطيع أن أرسم له ملامح في مخيلتي، لا بياض ولا اسمرار، لا عيون رزقاء ولا عسلية، لا شيء، لا شيء على الإطلاق! مشكلتي أنني اعتدت منذ طفولتي الخوف منه، تربيت على أنني لن أستطيع مواجهته، تعوّدت أن لا أتخطى الحواجز، أن لا أقف وجهاً لوجه معه، أن لا أحكي لغته أو أحاربه، أن لا أدخل وطني إلا بإذن منه، حسناً، تربيتي كانت خاطئة!
لا أدري كيف تتعايشون معه كل يوم، ذاك الروسي، البلجيكي، اليوناني، البريطاني، الأميركي، أو مهما كانت جنسيته بالأساس! ألست أحق بدخول وطني أكثر من ذاك الغريب؟
بيروت ـــ إيمان بشير

اعتياد

لطالما كان الليل طويلاً يا عزيزتي، لكن، عندما كنت طفلة وكان العالم ينتهي بمدرستي ويرتسم لي عالم جديد كلما خرجت مع أهلي الى مشوار ما، لم يكن الليل ينتهي. كان مخيفاً جداً، وكنت أخترع ألعاباً وأحلاماً حتى أتعب وأغفو لأستيقظ ثانية على أمل أن ينتهي كابوس الليل ذاك.
لا أدري لماذا لاحقتني منذ صغري أحلام مخيفة. لاحقتني لسنوات متتالية في كل ليلة أردت أن أغفو فيها بهدوء. لا أذكر متى بدأ الأمر، لكنه بدأ في عمر كنت أعي فيه أن الموت الذي شهدته البلاد وقت النكبة، كان مخيفاً. مخيفاً لدرجة أنه ظل يلاحقني لسنوات ويرتسم لي على شكل جنود يدخلون البيت بعد أن يحطموا الباب، يطلقون النار على جميع أفراد عائلتي ويأتيني الموت...
لم أمت يوماً في أحلامي، كنت دائماً أظل وحيدة بعد الحرب، وكان معظم الذين أحبّهم يموتون على أيدي أولئك الجنود، ولا يحيا إلا الآخرون الذين كانوا يشبهون أحبتي، لكنني لا أعرفهم، من وقتها اعتدت الوجوه الغريبة من شعبي، الوجوه التي تتشابه ملامحها مع وجه جدي الغائر في التجاعيد، وشال جدتي الأبيض، وصرت أحبهم، صاروا جميعهم أهلاً لي. قضيت سنين كثيرة في طفولتي أخاف الجنود، ربما ما كان يعزز خوفي هو رؤيتي للجنود بين فينة وأخرى يجوبون مدينتي فرادى أو بمجموعات صغيرة في جولات استطلاعية، وكنت أتخيل أنهم سيأتونني مساءً ويزرعون فيّ مزيداً من الخوف.
ولو كنت أؤمن بتناسخ الأرواح، لما شككت لحظة في أن روح طفل استشهد هارباً بعدما ذُبح أهله إبان النكبة في قرية جليلية ما، ورأى من الموت ما يكفي بلاداً بأكملها، ظلت تائهة أربعين سنة ثم تقمصتني. وما لبثت أن بدأت الحرب مجدداً، وبدأت الانتفاضة الثانية، وتجددت المجازر التي لم تتوقف يوماً. في تلك الفترة حين لم يكن عمري يزيد على عشر سنوات، كنت أصلي كل ليلة للأطفال النائمين تحت الأنقاض، وأحمّل نفسي مسؤولية موتهم صباحاً: فأنا لم أدعُ لهم كما ينبغي.
عندما كبرت يا رفيقة واعتدت الليل، تحوّل الخوف إلى حقد وغضب، لم أعد أخشى الجنود أو الموت، وصار لي مع كل أولئك الجنود ثأر شخصي، فهم سلبوا مني سنوات جميلة، كان يجب أن أحياها كأي طفلة، كما سلبوا أهل البلاد حقهم. ولمّا كبرت يا رفيقة، واعتدت الموت والحرب، اعتدت الجنود أيضاً، واعتدت الغرباء. تسألين كيف نتعايش معهم؟ نحن لا نتعايش معهم، بل نعتادهم، نعتادهم كما اعتدنا الحرب والموت.
الجليل ـــــ أنهار حجازي