عاش مخيم نهر البارد أخيراً أجواءً «نموذجية» لمخيم فلسطيني: شهداء سقطوا، محتجون أوقفوا، تظاهرات واعتصامات... ثم إفراج عن جميع الموقوفين، ومنذ يوم أمس، إلغاء التصاريح لدخوله. لكن، لتحقيق باقي المطالب، ثمة أشكال جديدة من النضال «يخرج بها شباب يحملون أمانة العيش بكرامة بانتظار تحقيق العودة إلى فلسطين».
هكذا يلخص ميلاد سلامي الموقف، وهو أحد قادة الحراك الشبابي في المخيم، الذي انطلق بعيد مقتل الفتى أحمد قاسم وتبعه مقتل فؤاد لوباني وسقوط عدة جرحى خلال تشييع قاسم.
وبهذا، يتهيّأ المخيم المنكوب لطيّ مرحلة عمرها خمس سنوات ونيِّف، أعادت إلى أذهانهم ذكريات سنين اللجوء الأولى، كما أعادت إليهم ذكريات بداية الحراك الفلسطيني في ستينيات القرن الماضي وانطلاق بعض شراراته من مخيم نهر البارد، احتجاجاً على ممارسات السلطة وتعسفها. للمرة الأولى يشعر الفلسطيني في لبنان أن احتجاجه لقي آذاناً صاغية، إذ رأى جزءاً من مطالبه يتحقق، وأن مطالب أخرى في طريقها إلى التحقق، ولو أن الشك يراود البعض في إمكان الحنث بالوعود، والرجوع إلى حالة من الإجراءات الاستنسابية على مداخل المخيم ومخارجه.
أول غيث نتائج التفاهم الذي جرى في خلال اللقاء بين رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وقادة الأجهزة الأمنية والفصائل الفلسطينية كان إطلاق سراح المعتقلين الأحد عشر الذين أوقفوا بعد حادثة الخامس عشر من حزيران، وما تلاها من إشكالات بين الجيش اللبناني وأبناء المخيم. وثانية النتائج إلغاء نظام التصاريح الذي نسجت حوله وقائع وحكايات أربكت حياة أبناء المخيم وجعلتها رهن مزاجية الجندي الذي يقف على الحاجز، إذ يبيح له القانون منع دخول امرأة نسيت تصريحها في المخيم لأنها خرجت مسرعة إلى المستشفى بقصد الولادة، ويبيح منع دخول عجوز جاءت من مخيم في جنوب لبنان للمشاركة في تعزية قريب لها.
خطوة إلغاء نظام التصاريح لا تزال يدور حولها لغط يتعلق بالبدائل المطروحة. ويخشى البعض أن تستبدل بإجراءات أشد قسوة، مثل وضع «فيش» وقائمة مطلوبين، «ما يجعلنا نترحم على التصاريح، ونضطر إلى إقامة تظاهرات لإعادتها» كما يقول عثمان بدر الذي أكد من ناحية أخرى «أننا لن نسمح بأن يكون المخيم في حالة صدام مع الجيش اللبناني مهما كلّف الأمر». وأمل أبو الطيّب عبد الرحمن الحاج بأن تكون الخطة المذكورة على طريق إنهاء الحالة العسكرية في المخيم، وفي الوقت نفسه أبدى استياءه مما يسمعه عن عزم الجيش اللبناني على إقامة قاعدة بحرية وبرية في المخيم بقوله «نحنا مش ملاقيين محل ندفن فيه ميت».
أما ميلاد سلامي المسؤول في الحراك الشبابي، فقد رفض الاجتهاد في تفسير معنى إلغاء التصاريح، «لأننا نعتبر أن إلغاء التصاريح يعني أن الدخول إلى المخيم يجري بواسطة البطاقة الشخصية أو جواز السفر»، وتحت هذا الشعار، ومن دون إضافات أخرى، سوف «نعلق الاعتصام عبر إزالة الخيم». ويرى سلامي أن أسلوب تصرف الجيش يوحي بأن مرحلة من التعاطي الإيجابي بدأت تسود علاقته مع الأهالي، ما خلا بعض التصرفات الفردية التي تعود لخمس سنوات من الاحتقان المتبادل. ومع ذلك، سيتواصل الحراك الشبابي عبر تفعيل اللجان الشعبية وتطعيمها بعناصر من شباب الحراك، وسوف يجري العمل على تحديد أجندة زمنية تحدد فيها الدولة اللبنانية باقي الخطوات المتعلقة برفع الحالة العسكرية عن المخيم.




مساواة أمنية

بعد تعيينه رئيساً للجنة الحوار اللبناني - الفلسطيني، عقد د. خلدون الشريف مؤتمراً صحافياً شرح فيه مرتكزات تصوره لتناول الملف الفلسطيني في لبنان، وأولها «تخفيف مشقات الحياة والمعاناة، وتحتاج إلى قرارات حكومية». وثانيها «التعاون مع سفارة دولة فلسطين وجميع الأطراف الفلسطينية». وثالثها «إعداد دراسات حول مشاريع القوانين والتشريعات بتحريك من لجنة الحوار، على أن يكون القرار للسلطة التشريعية اللبنانية». وفي اتصال مع الأخبار، رأى الشريف أن إلغاء التصاريح يعني أن التعامل الأمني مع الفلسطينيين سيكون على غرار التعامل مع اللبنانيين.