الأمان. هذا أكثر ما يريده السوريون الآن. ملامح وجوه الناس في دمشق، هذه الأيام، أصبحت تشي بالكثير من الكآبة. ثمة بهجة، يعرفها من زار الشام قبلاً، باتت غائبة. قديماً قيل: «نعمتان مجهولتان... الصحة والأمان». اليوم بات السوري يعي هذه العبارة تماماً، بعدما كان، لسنين طوال، يتغنى بما في بلاده من أمان. عن أي شيء سيحدّثك السوري سوى عن أمنه، راهناً، بعدما بات القتل على أرضه «موضة»، والخطف هواية، والقلق من المجهول معشّشاً في نفسه.

عبثاً، تحاول مع أي سوري أن تحدثه في شؤونه المعيشية الصرفة، من دون أن يعود بالحديث إلى ناحية «الأمان». البطالة موجودة. البلاد ليست في أحسن أحوالها اقتصادياً. الفساد قائم باعتراف الموالي قبل المعارض. لكن لا جديد في كل هذا. الجديد أنه بات إذا خرج من منزله، في وقت متأخر من الليل، فالاحتمال كبير أن يصبح اسمه على لائحة المخطوفين.
الجديد أنه إذا خرج بعيداً عن مقر إقامته، ولو في وضح النهار، فهو يتوقع ألا يعود إلا قتيلاً برصاص أو بانفجار. ورغم أن الوضع الأمني في دمشق كان أكثر استقراراً من سائر المحافظات، غير أنه كان كافياً أن تطاول أخيراً الانفجارات بعض أحياء العاصمة، حتى يجد القلق طريقه إلى نفوس أهلها.
تستوقف المارة في شوارع دمشق القديمة، عشية انتخابات مجلس الشعب، لتسألهم عمّا يريدونه من نواب الغد. كلمات مثل «الأمان» و«الاستقرار» هي أكثر ما تسمعه في أجوبتهم.
اللافت أن صور المرشحين، التي باتت تملأ جدران العاصمة، لا تحمل شعارات ذات صلة بالأزمة الأمنية التي تعيشها سوريا. المرشحون يرفعون شعارات تقليدية جداً، باتت أكثر من مُستَهلكة، مثل تعزيز فرص العمل والاهتمام بالتعليم ومساندة الفلاحين، إلى درجة أن بعضهم لم يجد سوى «الحفاظ على البيئة» شعاراً انتخابياً يرفعه.
يكتفي أحد الشبان، عند ساحة السبع بحرات، بأن يومئ بيده مستهزئاً من تلك الشعارات، ليقول: «ليش مين هني هول... واللهِ ما بعرف حدا منهم، وقبل هيك سمعنا كتير لحد ما ملّينا (مللنا)».
بعد جوله في شوارع دمشق، يتضح أن الناس هنا ليسوا حاضرين نفسياً ليعيشوا أجواء انتخابية. همهم في مكان آخر. الشاب العشريني، محمد خالد فتوت، يصرّ على رفع بطاقة عمله المعلّقة بعنقه، لإظهار اسمه، يقول: «ما من مشكلة في الانتخابات، ولكن أتصور لو أنها تأجلت قليلاً لكان أفضل. الناس حالياً يعيشون قلقاً يومياً».
تسأل الشاب العامل، قبالة سينما السفراء، عن همومه المعيشية وما يريده من المرشحين للانتخابات، فلا يعلم كيف يجيب. يتلعثم قليلاً، قبل أن يعود إلى الحديث عن الأمان المفقود، محملاً مسؤولية ذلك لـ«الطرفين. لا هول (هؤلاء) عارفين يحلّوها ولا هوليك (أولئك) عارفين شو بدهم. واللهِ، يا أخي، نحن شعبنا طيب وما بيستاهل يلي عم يصير فيه».
من جهتها، زينب إحسان، لا تنكر أن الأجواء ليست مؤهلة تماماً للانتخابات، لكنها في المقابل ترى فيها «أمراً لا بد منه». وتضيف السيدة الثلاثينية: «نريد من الذين سيصلون إلى مجلس الشعب، ومن كل المسؤولين، أن يخرجونا من الأزمة الأمنية التي نعيشها، وأنا متفائلة في هذا الشأن. لا نريد منهم شعارات فارغة، لم يمت أحد منا من الجوع، ما نريده هو الأمان ولو كنا سنكتفي بأكل خبز وزيتون». طبعاً، الحديث هنا يدور عمّن لا يريدون إسقاط النظام، أما من يريدون ذلك فهم من المطالبين بمقاطعة الانتخابات كلياً، فهم لا يريدون «إعطاء شرعية للنظام الحاكم». هذا ما يقوله وسيم، الشاب العشريني، الذي كان يتجوّل مع رفاقه ليلاً في أزقة الشام. يدخل أحد رفاقه على خط الحديث، ليصف الانتخابات، وكل مظاهرها ساخراً، بـ«الكعك». هؤلاء الشبّان لا يرون سوى سقوط النظام حلاً لما تمر به سوريا. حسناً، لنفترض أن النظام سقط اليوم، وذهبت كل الأسماء التي تعرفونها، فما هو تصوركم، كشباب سوري، لآليات الحكم التي ستُعتمد وتبني سوريا الغد؟ ليس لدى الشبّان جواب واضح. بالنسبة إليهم لا خوف على سوريا، وفي حال حصول ذلك، «سوف تُحل الأزمة من حيث لا يتوقع أحد». لا غرابة أن لا يكون لأحد تصوّر واضح للحل، وخاصة بين الشبّان، بعدما دخلت البلاد، ومعها «الكبار» من مختلف الجهات، في نفق غير مرئي النهاية.
على مقربة من هؤلاء الشبان المتحمسين، وأمام أحد المقاهي، كانت فتاة عشرينية تقف مسترقة السمع لما يقولون. انتظرت ابتعادهم لتدلي بدلوها، قائلة «هول مش واعين لحالهم. في معارضة حقيقية في البلد، بس هول من الصنف يلي عامل المعارضة موضة. ما تاخدوا كلامهم». تتأسف رشا صقر على «تفشي النفس الطائفي في سوريا، الذي تسبب به الآتون من خارج بلدنا. أنا لا يهمني دين الرئيس وطائفته، ما يهمني هو مواقفه. وبالمناسبة، الانتخابات يجب أن تحصل، لأنها تمثّل تحدياً لكل الدول التي تتدخل في شؤون سوريا، ليعرفوا أن الحياة موجودة في بلدنا وأن مؤامراتهم لم تصب شعبنا ولن يحصل ذلك». لدى رشا الكثير لتقوله: «أرجوك خليني قول كل شي بقلبي. والله تعبنا وملّينا. باخت كتير».