عندما أصدر الرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي، قرار المناقلات العسكرية، قبل أسابيع، استبشر اليمنيون خيراً. رأوا أن هادي، الذي تلاحقه التهم بأنه مجرد ظل للرئيس السابق علي عبد الله صالح، قرر أخيراً ممارسة صلاحياته كاملةً، وخصوصاً أن القرار تضمن تغييراً في مناصب اثنين من أبرز أقارب صالح، هما أخوه غير الشقيق، محمد صالح الأحمر وابن أخيه طارق محمد عبد الله صالح.


لذلك، مثّل التمرد الذي واجه به أقارب صالح قرار المناقلات أول اختبار لمدى قدرة هادي على فرض سلطته؛ إذ إن رضوخ الرئيس الجديد للتمرد كان سيؤدي إلى إصابته بمقتل، وسيقضي على أولى بوادر الثقة التي بدأ اليمنيون بمنحه إياها لمعالجة قضايا البلاد، ولا سيما أن هيكلة المؤسسة الأمنية والعسكرية ليست سوى خطوة في مسيرة الألف ميل التي يفترض أن تقوم بها الدولة اليمنية، وهو ما يفسر الدعم الأميركي والإقليمي الذي لقيه هادي في مواجهة أقارب صالح، وتحديداً من قبل المبعوث الأممي جمال بن عمر، الذي لم يغادر اليمن إلاّ بعدما شهد مراسم تسليم طارق للواء الثالث حرس جمهوري قبل أن يعاود الأخير في اليومين الماضيين محاولة تعطيل مهمات خلفه.
وتشديداً على أن المناقلات العسكرية تأتي ضمن رزمة أوسع من القرارات، سيكون اليمن على موعد معها في المقبل من الأيام، أصدر هادي أول من أمس قراراً بتأليف لجنة اتصال مؤلفة من ثمانية أشخاص تقوم مهمتها على التواصل مع مختلف الأطراف اليمنية لدعوتها إلى المشاركة في الحوار الوطني المرتقب.
التدقيق في أسماء المشاركين في اللجنة، يُظهر أن أربعة منهم، وهم النائب الثاني لرئيس حزب المؤتمر الشعبي العام عبد الكريم الأرياني، الأمين العام لحزب التجمع اليمني للإصلاح عبد الوهاب أحمد الآنسي، الأمين العام للحزب الاشتراكي ياسين سعيد نعمان، ووزير الإدارة المحلية السابق، عبد القادر علي هلال، كانوا من المشاركين في «لقاء بوتسدام» الذي استضافته ألمانيا في شهر آذار الماضي، وخصص للتباحث بنحو غير رسمي في موضوع الحوار الوطني وقضاياه. كذلك كان لافتاً اتخاذ هادي قراراً بتعيين كل من الأرياني والآنسي ونعمان، إضافةً إلى رئيس الدائرة السياسية لحزب المؤتمر عبد الله أحمد غانم، مستشارين له، في خطوة تهدف إلى إعطاء اللجنة وقراراتها مشروعية أكبر.
إلاّ أن هذه التعيينات لن تكون كافية على الأرجح لإزالة العقبات المتوقع أن تواجهها اللجنة في مهمتها، وفي مقدمتها إقناع الفصائل الممثلة للجنوب، حيث يتصاعد مطلب فك الارتبط بالمشاركة في الحوار الوطني. وفي السياق، لن تكون خطوة هادي بتمثيل الشمال والجنوب مناصفةً في اللجنة أو في قائمة المستشارين، كفيلة بطمأنة الأطراف المذكورة حول الحوار، على اعتبار أن المسألة ترتبط بثقة هذه الأطراف المفقودة بالنظام اليمني.
معضلة أخرى سيواجهها الحوار تتعلق بمدى تجاوب التيار المتشدد داخل حزب المؤتمر الشعبي مع هادي وقراراته، وخصوصاً في ظل استمرار الانتقادات التي توجه من هذا التيار إلى الرئيس اليمني. إلاّ أن هادي المدرك لهذه التحديات، تعمد في الخطاب الذي ألقاه يوم السبت الماضي من الأكاديمية العسكرية العليا توجيه عدد من الرسائل، حرص على أن تطاول جميع الأطراف السياسية، بما فيها حزبه.
الرسالة الأولى أكد فيها هادي مواصلة العمل لتوحيد الجيش الذي شهد انقسامات بقوله: «بحكم صلاحياتي المسنودة بالشرعية الشعبية والدستورية والقانونية، لن أسمح باستمرار الانقسام في الجيش، مثل ما لن أقبل بمحاولة تعطيل مساره أو حرفه عن مهماته وواجباته الأساسية»، في إشارة واضحة إلى أن مصير اللواء المنشق علي محسن الأحمر سيكون في الفترة المقبلة على طاولة البحث، شأنه في ذلك شأن نجل الرئيس اليمني السابق، أحمد علي عبد الله صالح.
أما في موضوع القاعدة، فتعهد الرئيس اليمني التصدي بنحو أكبر للتنظيم، مؤكداً أن «المعركة مع تنظيم القاعدة لم تبدأ»، وهو تحدٍّ سيكون هادي أمام امتحان النجاح به، وخصوصاً في ظل مواصلة المسلحين المتشددين هجماتهم، وآخرها أمس عندما شنّ المسلحون هجوماً على مواقع للجيش اليمني في زنجبار، ما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 20 جندياً، فضلاً عن اختطاف العشرات.
رسالة أخرى وجهها هادي إلى الأطراف الموقعة للمبادرة الخليجية، داعياً إياها إلى وقف حملاتها الإعلامية والتحريض من دون أن يوفر الإعلام الرسمي، الذي لا يزال عدد من المحسوبين على صالح يسيطرون على بعضٍ من مؤسساته بقوله «إنه بدأ منفلتاً في الفترة الماضية وغاب عن إدراك وظيفته الأساسية». لكن الرد من أنصار صالح داخل المؤتمر لم يتأخر؛ إذ شنّوا هجوماً على حكومة الوفاق الوطني، في إشارة واضحة من هذا المعسكر إلى أنه لا نية لديه في المدى المنظور للتهدئة، وهو ما سيجعل الأنظار تتجه خلال الفترة المقبلة إلى المؤتمر الشعبي، وسط ترقب لما ستؤول إليه الأوضاع داخل الحزب، وخصوصاً بعد خروج أصوات تطالب صالح بالاستقالة منه فسحاً في المجال أمام منح الرئيس الجديد حرية إدارة البلاد.