القاهرة | نوستالجيا الحنين إلى عهد كسوة الكعبة ومحملها، الذي كان يخرج من مصر إلى السعودية، ساد قطاعاً من الرأي العام في مصر بمجرد اندلاع الأزمة الدبلوماسية التي نشأت مع السعودية، ومحاولة مسؤولين في الحكومة والمجلس الأعلى للقوات المسلحة استرضاءها، بالرغم من استمرار اعتقال الناشط الحقوقي أحمد الجيزاوي. وهو مزاج موازٍ طبعاً لمزاج قطاع آخر من الرأي العام حبس أنفاسه خشية تدهور العلاقات مع الدولة النفطية، التي تضم ما يقرب من مليوني مصري.


هذه النوستالجيا تمتد طبعاً إلى عهد أحد أبرز زعماء مصر شعبية، جمال عبد الناصر، وخطاباته النارية ضد الملك الفيصل وقتها، ولا سيما في ظل مقارنة تفرض نفسها بين أداء عبد الناصر ومسؤولي مصر الحاليين. وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية، أشارت إلى الاتصال الهاتفي بين رئيس المجلس العسكري حسين طنطاوي والملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز، ثم تبعتها وزارة الخارجية المصرية فأصدرت بياناً أشارت فيه إلى الاتصال بين وزير الخارجية محمد كامل عمرو ونظيره السعودي سعود الفيصل، وما تخلله من تأكيد «الطرفين على أن ما يربط البلدين الشقيقين من علاقات استراتيجية راسخة سيمكّنهما من تجاوز أي حوادث عارضة تعتري مسار هذه العلاقات»، لتظهر الهوة الشاسعة بين أداء عسكر الخمسينيات وعسكر هذه الأيام حيال المملكة.
الكاتب الصحافي الناصري، عبد الله السناوي، يوضح لـ «الأخبار» أن مصر «كانت تمثل في الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم نموذجاً تقدمياً في المنطقة، مقابل ما كانت تمثله المملكة العربية السعودية من نموذج رجعي». المواجهة بين النموذجين كانت قد بلغت أوجها في اليمن، حين كانت مصر تدعم عسكرياً وسياسياً الثورة والنظام الجمهوري هناك، في مواجهة السعودية التي كانت تدعم باستماتة نظام الإمامة.
كذلك برز في ذلك الحين سعي الرياض للدخول في تحالفات عسكرية وسياسية معادية للقاهرة، وموالية لواشنطن مع الأردن وإيران، وصولاً الى حث السعودية الادارة الأميركية على اتخاذ إجراء محدد ضد عبد الناصر، مباشرةً أو بواسطة إسرائيل، وهو ما برره مدير الاستخبارات السعودية السابق، كمال أدهم، في حوار صحافي مع محمد حسنين هيكل، «بضرورات الدفاع عن العرش السعودي».
«لكن هذا الاستقطاب ليس حاضراً الآن، فالمجلس العسكري في مصر ليس إلّا طرفاً محافظاً يبغي اعادة انتاج النظام القديم بعد سقوط رأسه (الرئيس المخلوع حسني مبارك)، ويفتقد أصلاً التأييد الشعبي (الذي كان يتمتع به عبد الناصر) لدعمه في مواجهة أيّ طرف خارجي» حسبما يقول عبد الله السناوي.
كذلك فإنه يشير إلى أن السعودية ترى في ما تطرحه الثورة الجديدة في مصر نموذجاً جديداً مخيفاً للمملكة المحافظة، التي تخشى «من الإلهام الذي قد تمثله قيمها التحررية للشعب السعودي، الذي لا يزال ضالعاً في جدال حول حث النساء على قيادة السيارة من عدمه مثلاً». ويضيف السناوي إن «العدالة الاجتماعية هي أحد مطالب الثورة المصرية التي تخشاها المملكة النفطية، بما قد تعنيه من استقلال اقتصادي في مواجهتها بدلاً من انتظار مساعدات وعدت بها بعد الثورة ولم تقدمها، بخلاف تحويلات المصريين هناك، التي تعتمد عليها مصر لخفض العجز في ميزان مدفوعاتها». ويضيف السناوي «خشية المملكة تلك من الثورة بدت واضحة من تشكيل البرلمان بغرفتيه بعد الثورة (الذي هيمن عليه الإسلاميون)»، في إشارة إلى تقارير صحافية وتحقيقات أجرتها وزارة العدل كشفت عن تمويل خليجي بمئات الملايين لجهات إسلامية من قبيل الجمعية الشرعية لأنصار السنة المحمدية، وهي أبرز الجمعيات التي يديرها السلفيون.
إلّا أن المملكة أصبحت على الأقل متأكدة أن نموذج عبد الناصر لن يتكرر في مصر مجدداً، حسبما يقول وكيل وزارة الخارجية السابق، عادل الصفتي، لـ «الأخبار». وتحدث عن أن «أوان الحل الهادئ الذي حاولت السفارة المصرية في الرياض التوصل إليه قد ولى»، لافتاً إلى ضرورة «اتباع مسار قانوني حيال استمرار احتجاز الجيزاوي، وخصوصاً في ظل ما أشار إليه من «مشاعر شعبية سلبية في مصر حيال السعودية على خلفية دعمها الرئيس السابق في مواجهة الثورة، وتراجعها عن وعودها بالمساعدات لمصر بخلاف استمرار تطبيق نظام الكفيل على المصريين العاملين لديها».