رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس»، خالد مشعل، بات يحتل عناوين الأخبار في الأيام القليلة الماضية، بعد الأنباء التي تحدثت عن مغادرته دمشق إلى غير رجعة، وهو ما سارعت الحركة إلى نفيه، مشيرة إلى أنها لم تقرر نقل مكتبها السياسي من عاصمة الأمويين، وأن جولات رئيس مكتبها السياسي هي التي تمنعه من البقاء طويلاً في دمشق. غير أن مصادر مطّلعة قريبة من الحركة أكدت أن مشعل غادر «عمليّاً» العاصمة السورية، لكنه لم يقرّر بعد عدم العودة إليها، على عكس ما نسبت وكالة «رويترز» إلى مصادر دبلوماسية واستخبارية أن مشعل قرر عدم العودة إلى دمشق.


ما ذكرته «رويترز» سارع المتحدث باسم «حماس» فوزي برهوم إلى نفي بعضه. برهوم قال من غزة إنه «لا تغيير (بشأن مقرّ الحركة في سوريا) وحماس لم تقرر الخروج من سوريا ولم تتخذ أي قرار في هذا الشأن (...). نحن لا نزال موجودين في سوريا». وأشار إلى أن «مشعل يقوم بزيارات إلى عدد من الدول العربية ويتنقل هو وقيادات الحركة من سوريا وإليها بشكل طبيعي»، مبيناً أن الزيارات هذه تأتي «في إطار الحراك العربي لدعم القضية الفلسطينية وحشد الدعم لتحقيق المصالحة الفلسطينية وتوطيد علاقات الحركة»، مضيفاً أن «الربيع العربي شجّع على هذه الزيارات والتنقلات».
برهوم خصّص الحيّز الأكبر من تصريحه لمقرّ المكتب السياسي لحركة «حماس»، مبرّراً غياب خالد مشعل عن الساحة السورية، من دون ربطه بالأحداث التي تشهدها بلاد الشام منذ أكثر من عشرة أشهر. إلا أن مصادر قريبة من الحركة تحدثت لـ«الأخبار» عن ملابسات العلاقة الحالية بين مشعل ودمشق. وأكدت المصادر أن «أبو الوليد» «لم يقرر بعد المغادرة النهائية لدمشق، لكنه غير قادر على العمل واستقبال الضيوف نتيحة الأحداث». وأضافت أنه بناءً على ذلك، «فإن وجوده في دمشق قلّ كثيراً في المرحلة الماضية، وهو سيستمر على هذا النحو في المرحلة اللاحقة». وأعطى مثلاً أنه خلال الشهر الماضي لم يبق مشعل في دمشق لأكثر من ستة أيام. وأوضح أن أكثر من 80% من وقت رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» سيكون خارج دمشق، من دون أن يعني ذلك إقفال مكتبه أو بيته، وهو سيزور العاصمة السورية بتقطّع، على الأقل في المرحلة المقبلة. وزاد المصدر أن أبو الوليد لم يقرر بعد القطيعة مع دمشق، لكنه غير قادر على المكوث فيها حالياً، وهو «يتخذ من قطر حالياً مقراً مؤقتاً، وقد استأجر منزلاً هناك».
ورغم هذه التبريرات، لم ينف المصدر «سوء العلاقة حالياً بين الحركة عموماً، ومشعل خصوصاً، مع القيادة في سوريا». ويشير إلى أن أبو الوليد «متأثر جداً لعمليات القتل في سوريا». كذلك لم ينف تفكير الحركة في نقل مكتبها السياسي من دمشق، إلا «أنّه لم يتّخذ قرار بعد في هذا الشأن». وبرر مغادرة غالبية إداريي الحركة لسوريا بأنه «لم يعد هناك حاجة لوجودهم في بلد يشهد اضطرابات»، مشيراً إلى بقاء نحو 100 إداري فقط لا يزالون موجودين في العاصمة السورية من أصل 2000.
ويأتي الحديث عن نقل المكتب السياسي مع ظهور خلافات داخل الحركة، بين طرف لا يريد نقل المكتب يمثّله مشعل، وآخر مؤيّد لنقل المكتب يقوده نائب رئيس المكتب موسى أبو مرزوق الذي يدعو إلى أخذ مسافة من إيران. وتشير مصادر إلى أن تسريب خبر عدم رغبة خالد مشعل في الترشح إلى رئاسة المكتب السياسي تأتي في إطار الخلافات بين الطرفين، لأن من «سرّب الخبر هم أفراد قريبون من أبو مرزوق». ويضيف هؤلاء أن «الهدف من ذلك هو قطع الطريق على مشعل كي لا يتراجع عن كلمته».
ونفى المصدر أيضاً أن تكون زيارة مشعل للأردن تمهيداً لنقل المكتب السياسي إلى هذا البلد، مشيراً إلى «أنه لا عمل سياسياً للحركة في الأردن، نتيجة الموقف الأردني الرافض لمثل هذا الأمر». وأوضح أن «موقف عمّان غير ليّن» في ما يخصّ هذا الأمر. وعمّا راج عن احتمال أن تكون مصر حاضنة لمقرّ المكتب لاحقاً في ظل حكم حركة «الإخوان المسلمين» التي تعدّ «حماس» أحد فروعها، أكد أن الاستخبارات المصرية تعارض هذا الأمر، مشيراً إلى أن «المصريين منفتحون على انضمام حماس إلى منظمة التحرير وفتح مكتب للمنظمة في القاهرة. كذلك فإنهم لا يمانعون في إجراء الحركة لقاءات مع المسؤولين الدوليين في العاصمة المصرية».
ولم يستبعد المصدر أن تكون الدوحة مقراً للمكتب السياسي «في حال أُجبرنا على ذلك»، مشيراً إلى أن الدوحة «رحّبت بقادة الحركة السياسيين للإقامة فيها، وهي من المحطات التي يزورها قادة حماس بين وقت وآخر». أما عن المقصود بتعبير «أن نُجبر على مغادرة سوريا»، فيقول ببساطة: «أن تقوم دمشق بطردنا».




سجال بشأن زيارة هنية لإيران


الفتور في علاقة «حماس» وسوريا ينسحب على العلاقة مع إيران أيضاً. وتشير مصادر في الحركة إلى أن سجالاً قائماً حالياً في داخل «حماس» بشأن الدعوة التي تلقّاها رئيس الحكومة المقالة، إسماعيل هنية، إلى طهران، وإمكان عدم تلبيتها. وأشارت إلى أن أصواتاً قوية في داخل الحركة تدفع باتجاه عدم ذهاب هنية، وهو ما قد يحصل في نهاية الأمر.
وأوضح المصدر أن الهدف من الأمر هو إيصال رسالة من الحركة إلى طهران هو «أننا لسنا في جيب إيران، وأن طهران لا يمكن أن تقطع مع الحركة وتعود ساعة تشاء»، في إشارة إلى الخلاف الذي احتدم في الأيام الأولى للأزمة في سوريا، ما أدى إلى قطع السيولة عن الحكومة المقالة، وهو ما تجدّد أخيراً، وأدى إلى نقص مادي لدى الحكومة، التي كانت تتلقّى 200 مليون دولار سنويّاًَ من طهران.
وعن الأنباء التي تحدثت عن تلقّي الحكومة المقالة وعداً من تركيا بدفع 300 مليون دولار سنوياً، لم يؤكد المصدر الأمر، مشيراً إلى أنه «لا معلومات مؤكدة في هذا الخصوص»، غير أنه أشار إلى أن أنقرة تقوم بالفعل بمشاريع في قطاع غزة قد توازي قيمتها المبلغ المذكور. وشدد على أنه لا أزمة مالية بالنسبة إلى حركة «حماس» عموماً، لكن حكومة غزّة هي التي تعاني حالياً، على غرار المعاناة الحاصلة في الضفة الغربية وحكومة سلام فياض.
وبالعودة إلى جولة هنية الخارجية الثانية، فقد شدد المصدر على أن المؤكد أنه سيزور مصر وقطر ودولاً إسلامية، أما في ما يتعلق بطهران فالأمر لم يُحسم نهائياً بعد.