سيناء | انطلقت القوات المسلحة المصرية، للمرة الأولى في تاريخها، في عمليات موسعة في جزيرة سيناء ضمن المهمات المفترض أن تضطلع بها الشرطة، في تحول خطير للعقيدة القتالية للجيش المصري.

وأطلقت قوات الجيش الثاني الميداني، بقيادة اللواء أحمد وصفي، في تكتيكات غير مسبوقة، حيث قُطعت شبكات الاتصالات في سيناء كافةً منذ الفجر وحتى المساء يومياً، وانتشرت تشكيلات نوعية براً، تحت غطاء جوي من مروحيات «الأباتشي» المسلحة، وعُطِّل الملحق الأمني من معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، الذي يقيد بشدة انتشار القوات المسلحة في المنطقة الحدودية من سيناء.
تعطيل من المفترض أن يُسعد المصريين باستعادة السيادة الوطنية على شبه الجزيرة التي حرروها بدمائهم، لولا أن بثّ التلفزيون الإسرائيلي خبراً عن زيارة مختصرة قام بها وفد عسكري رفيع المستوي إلى القاهرة يوم 14 أيلول. وحين أثير الحديث عن خفض المساعدات العسكرية الأميركية لمصر، كان موقف إسرائيل رافضاً لتلك الخطوة، وأكدت التصريحات الأميركية عدم تأثر المساعدات المتعلقة بما سمته مكافحة الإرهاب في سيناء بهذا الخفض المحتمل.
سياق تتضافر شواهده على تنسيق مصري إسرائيلي حفاظاً على معاهدة السلام الاستراتيجي، برعاية أميركية.
لم تهدأ قوات الجيش الثاني الميداني في العمليات شبه اليومية، تلك التي تكررت في أكثر من 15 قرية وتجمعاً سكنياً بدوياً في المناطق التابعة لمدينتي الشيخ زويد ورفح. بمرور الوقت، تراجع الجيش عن نفيه سقوط الأبرياء برصاصه، فقدم العزاء رسمياً لنجل الحاج حسن خلف، شيخ مجاهدي سيناء، إبان فترة الاحتلال وبطل حرب الاستنزاف. وقدم وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي اعتذاراً عابراً في خضم حديثه في ندوة أقامها جهاز الشؤون المعنوية عن الخسائر التي أصابت المباني والأراضي، دون ذكر الأرواح البشرية. وتحول خطاب المتحدث العسكري إلى الفخر بتدمير بيوت من سماهم «تكفيريين» دون ثبوت تحصن مسلحين بهذه المنازل أثناء الاشتباكات، وكذلك من دون صدور حكم قضائي – ولو استثنائياً – بهذه العقوبة.
معاناة إنسانية وانتصارات قليلة القيمة
في الأسبوع الثاني عشر من العمليات العسكرية الموسعة، أعلن المتحدث العسكري يوم 26 تشرين الثاني مقتل محمد حسين محارب، الشهير بالشيخ «أبو منير»، أحد أخطر قادة الجماعات المسلحة في سيناء، وذلك أثناء الاشتباكات معه ومع بعض العناصر في قرية «المقاطعة» جنوب مدينة الشيخ زويد. كان أبو منير إماماً لمسجد يشتهر باسمه، وهو المسجد الذي سبق أن قُصف بمروحية الأباتشي مرتين في بداية العمليات، رغم خلوّه من أي مسلحين لحظة القصف.
خبر مهم فقد أهميته؛ إذ أتى قبل مرور أسبوع على التفجير الذي استهدف حافلة للجنود وقُتل فيه 11 جندياً وأصيب 35 آخرون. حجم التفجير وتوقيته وكيفية تنفيذه تشكك في الجدوى الحقيقية للعمليات الموسعة التي لم يعد من يقين حولها إلا اكتواء السكان المحليين بنيرانها. وقع التفجير في نهاية الأسبوع الحادي عشر، وهي فترة كفيلة بتحقيق انتصار كبير أو بتغيير الخطة، لكن أياً منهما لم يحدث. وهو الأسبوع نفسه الذي بثت فيه جماعة «أنصار بيت المقدس» تسجيلاً مصوراً للشاب الانتحاري الذي نفذ تفجير مديرية أمن جنوب سيناء في 7 تشرين الأول الماضي.
على مدار الأسابيع المتعاقبة، سقط الكثير من الجنود والضباط قتلى، بإعلان رسمي أحياناً، وبتعتيم غالباً. لا يستثنى من التعتيم سوى ما يتسرب للمحليين من سكان العريش من أخبار عبر العاملين في المستشفى العام أو العسكري أو مرفق الإسعاف. أخبار يعرفها من كان سعيد الحظ بعدم اعتقاله عشوائياً، أو إصابته برصاص طائش من الجنود الذين يطلقون نيران أسلحتهم الخفيفة والثقيلة، بسبب وبلا سبب.
يعيش سكان العريش في معاناة شديدة بسبب قطع الشوارع بحواجز أمنية من الرمال وتغيير مسارات الطرق إلى دروب غير ممهدة. ويعود الأطفال من مدارسهم مذعورين من التهديدات بالاعتقال العسكري التي يوجهها لهم المعلمون لتحذيرهم من الاقتراب من أسوار المنشآت العسكرية المتاخمة.
أما أصحاب المزارع الواقعة جنوب العريش في طريق المطار وعلى الطريق الدائري، فقد خسروا ملايين الجنيهات للموسم الحالي وعدة مواسم مقبلة، بسبب تجريف أشجارهم واقتلاعها لكشف المساحات التي يشكو الجيش من التعرض لهجمات من ناحية بعضها.
لكن معاناة سكان العريش تُعَدّ ترفاً مقارنة بأحوال سكان مدينتي الشيخ زويد ورفح وقراهما التابعة، الذين يطبق عليهم حظر التجوال مع غروب الشمس، رغم انتهاء الحظر في أنحاء الجمهورية، وذلك دون قانون أو قرار رسمي معلن.
المسافة بين العريش والشيخ زويد، التي تستغرق في العادة 20 دقيقة، صارت تستغرق أكثر من ساعة ونصف، في المتوسط، بسبب التفتيش والالتفاف حول نقاط الارتكاز الأمني المغلقة على الطريق الدولي. بعد إحراق مسلحين لإحدى سيارات الإسعاف، صدر قرار عن وزير الصحة بعدم انتقال سيارات الإسعاف إلى الشيخ زويد ورفح بعد الساعة الخامسة مساءً، ما يعني حكماً بالإعدام على الحالات الحرجة.
وحين يجري السكان اتصالاتهم بالأجهزة الأمنية، يكون أفضل ما يصلون إليه هو السماح بمرور سيارة الإسعاف مع التبرؤ من مسؤولية إطلاق النار عليها من قبل الجنود في نقاط الارتكاز الأمني!

العقوبات الجماعية

تعيش المنطقة الحدودية في سيناء أسوأ لحظات التطبيع، فصار الحديث عن الانتهاكات والقمع أمراً روتينياً. صدف أن أطلق جندي النار أمام موقف السيارات في الشيخ زويد، خلال جولة «الأخبار» دون أن يهتم أي من المارة بما حصل، وكأنه صار طبيعياً أن يُطلَق الرصاص في الهواء بلا أدنى داع.
أمرٌ آخر يدل على مدى تعايش الأهالي مع الرصاص، ما رواه لـ«الأخبار» أستاذ من أن الأطفال صاروا يتعلمون الحساب على عدد الطلقات، كذلك فإن الشباب اصبحوا يتسابقون على التمييز بين أنواع السلاح المستخدم بالتفرقة بين الأصوات.
أما الانتهاكات والجرائم النظامية في حق السكان من المواطنين المصريين واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في شمال سيناء، فقد ملّ السكان من ذكره بعدما يئسوا من الشكوى في ظل انعدام أي أمل إنهاء معاناتهم، سواء بوفاء الجيش بوعوده المتكررة عن التعويضات أو بالتعويض القضائي العادل، أو حتى بالإنصاف الإعلامي والحقوقي.
من بين مئات القصص والشهادات، تأتي واقعة مصادرة 17 عجلاً قبيل عيد الأضحى من أحد تجار المواشي في رفح، مثالاً فريداً على استباحة القوات النظامية لبيوت السكان وأموالهم. يقص الواقعة محامي التاجر، وهو مؤيد لخريطة الطريق التي فرضها الجيش بعد ثورة «30 يونيو»، مؤكداً أن العجول كانت تحمل شهادات صحية بيطرية، وأن التاجر ليس له علاقة بالأنفاق. وقد اكتشفوا من العلامات المميزة في آذان رؤوس الذبائح أن القوات قد استولت عليها وأطعمتها لضباطها وجنودها على فترات متقاربة، منها 3 عجول ذبحت صبيحة يوم العيد.
لم تكن هذه هي صورة الخسائر الاقتصادية الأكثر شيوعاً بين سكان رفح، فأغلب الخسائر كانت بسبب تجريف مزارع الزيتون والموالح والفواكه في زمام 500 متر من الحدود مع قطاع غزة، لإقامة المنطقة العازلة التي تكررت مطالبات الجانب الإسرائيلي بها لمكافحة الأنفاق.
أما مدينة الشيخ زويد، فلا تزال سوقها الرئيسة معطلة، ولا تزال عشرات المحالّ مغلقة دون أفق يتضح فيه موعد إعادة فتحها، لأنها في محيط قسم الشرطة المراد تأمينه. صحيح أن القوات توقفت عن الهدم العشوائي للمنازل في الشريط الحدودي بمدينة رفح، إلا أن التعسف في الاعتقال العشوائي والتعذيب القاسي لم يتوقف بعد. وقد تكرر خلال هذه الأسابيع الاثني عشر أن يختفي معتقلون في غياهب «الكتيبة 101» في مدينة العريش ثم يتسلمهم أهلهم جثثاً هامدة، أو يكتشفهم المارة ملقين في أوحال نائية على جنبات الطرق في البوادي.
ليس الجيش وحده من يهدد السكان بالعقوبات الجماعية، بل الجماعات المسلحة أيضاً، التي أعلنت في بيان غير مسبوق في الأسبوع الخامس من العمليات أنها تحكم بالكفر على كل من يتعاون مع الجيش، وأن جزاء أولئك هو القتل الفوري. بين مطرقة الجيش وسندان الجماعات المسلحة، سمعت بأذني من يحمد الله على اكتفاء القوات بإحراق سيارته دون تدمير البيت أو اعتقال أي فرد من أسرته، وذلك كي يكون لديه دليل يبرئه أمام الجماعات من تهمة التعاون مع الجيش.

تفريخ الإرهاب

دخل أحد معلمي إحدى المدارس الابتدائية في المنطقة الحدودية إلى التلاميذ في حصة فارغة، وطلب إليهم رسم ما يشاؤون على أوراق من دفاترهم. فكانت أغلب الرسوم لسيارات ذات دفع رباعي تحمل مدافع مضادة للطائرات تشتبك مع قوات الجيش وتقصف نقاط التفتيش والطائرات والمدرعات. اللافت في إحدى هذه الرسوم، وقد نشرها المعلم على موقع «فايسبوك»، أن الرجل الملثم ذا الجلباب الذي يقصف الطائرة، وفق تصور الطفل، يرفرف خلفه علم مصر.
في تلك الناحية من مصر، التي لم ترَ الجيش النظامي منذ الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 إلا بعد انسحاب الشرطة في ثورة 25 «يناير»، يبدو أن الجيش لم يستوعب الدرس الذي لا تزال الشرطة تدفع ضريبته بعد استخدامها العنف المفرط والقمع الجماعي العشوائي ضد البدو. مجتمع لا يرى من الدولة سوى الحكومة، ولا يعرف من الحكومة سوى الأجهزة الأمنية، عقد آماله على الجيش الذي طالما ارتبط به وجدانياً بذكريات البطولة والانتصار من أجل التحرير، ثم خابت تطلعاته حين رأى منه قسوة جعلته يترحم على أيام قمع شرطة مبارك. أما كبار السن ممن عايشوا السياسات الإسرائيلية إبان الاحتلال، فإنهم لا يفتأون يعقدون المقارنات بين سلوكيات القوات النظامية الإسرائيلية والوطنية. مقارنة لا تسرّ نتيجتها أياً من القائل أو السامع.




إرهاب إعلامي

لم تدع السلطات العسكرية والأمنية مجالاً لظهور رواية إعلامية مغايرة لروايتها الرسمية. فأقرب الصحافيين إلى الجيش، الزميل أحمد أبو دراع، لم تشفع له علاقته الاستثنائية بالأجهزة الأمنية حين أبرز حقيقة القصف الجوي الذي طاول قريته «المقاطعة» يوم 2 أيلول الماضي. خرج أبو دراع من مقر نيابة الجلاء العسكرية بالإسماعيلية، بعد الحكم عليه بالسجن 6 أشهر مع وقف التنفيذ، ليعلن أنه ابن المؤسسة العسكرية وأنه أخطأ ولن يكرر خطأه، في تسجيل مصور بثته وسائل إعلام مصرية. أما منسق اتحاد قبائل سيناء، الشيخ إبراهيم المنيعي (أبو أشرف) الذي كان ينقل وقائع الانتهاكات في حق سكان المنطقة الحدودية في سيناء عبر مداخلات تلفزيونية، فقد نسفت القوات منزله بالديناميت.
أما بقية الزملاء، فهم بين التهديد بالمحاكمات العسكرية والمدنية، وبين الحذر من الجلسات العرفية، وليسوا في مأمن من استهداف الجماعات المسلحة، أو المتظاهرين.