وشوشات حكومية تسرّبت من خلف أبواب مبنى «دار الحكومة» في محافظة الرقة عام 2011: «الرئيس بشار الأسد سيؤدي صلاة عيد الفطر في الرقة». لا تحتاج الشائعات في المدينة إلى صحف أو مواقع إلكترونية أو «فايسبوك» ليجري تداولها. لنشر أي خبر، ليس عليك سوى أن تبوح به في حافلة للنقل الداخلي، أو في مقهى «الريس»، أو في ردهة المجمّع الحكومي.


انقضى شهر رمضان ولم يأتِ الرئيس. تبيّن أنّ الأمر مجرد شائعة خرجت من مبنى المحافظة ومديرية الأوقاف، وعزاها بعض الناس الى «مكتب الشائعات» في العاصمة، ومهمته تسريب بعض الأخبار قبل فترة زمنية من حدوثها، كنوع من جس نبض الشارع حيالها وتهيئة الرأي العام لها.
ولكن، قبيل حلول عيد الأضحى من ذلك العام، تأكد الخبر: «الرئيس الأسد سيؤدي صلاة عيد الأضحى في الرقة». هذه المرة لم يكن هناك مجال للشك، أكدت حاشية المحافظ عدنان السخني ذلك. بدأ تسجيل أسماء من سيؤدون الصلاة مع الرئيس. كانت تلك فرصة لزرع الطيبات وكسب الأعطيات. بعضهم بدأ يتملق السخني (الذي عُيّن لاحقاً وزيراً للصناعة)، وفرع حزب البعث والمقربين. كثر من يحلمون بنيل هذه الفرصة: «الصلاة خلف رئيس الجمهورية ومصافحته بعدها».
يروي الدكتور محمد لـ«الأخبار»، وهو ممن حضروا الصلاة، كيف بدأت الوساطات للحصول على بطاقة دعوة لدخول المسجد: «امتلأ المسجد بالمسؤولين وأبنائهم والحزبيين وإخوانهم والجبهويين وأحفادهم وشيوخ ووجهاء العشائر ومريديهم والصحافيين والأدباء والمثقفين، المؤمنين منهم والملحدين، إضافة إلى بعض المواطنين المدروسين أمنياً من أهالي الحي».
البيعة الأولى
صبيحة يوم عيد الأضحى (الأحد 6 تشرين الثاني 2011)، قصد المدعوون، منذ ساعات الصباح الأولى، مسجد النور في حيّ الدرعية في مدينة الرقة. كان مظهر الشوارع آنذاك يوحي بقدوم الرئيس. مرَّ المدعوون من البوابة الأمنية الالكترونية حاملين بطاقاتهم في يمينهم. كاميرات التلفزيون والإنارة والروائح الزكية تعبق بالمكان، الكل ينتظر ويترقب اللحظة المنشودة. يجزم الدكتور محمد، الذي رفض ذكر اسمه كاملاً كونه لا يزال يقطن الرقة، أنّ «نصف من حضروا الصلاة لا يجيدونها، ومنهم من لم يدخل مسجداً في حياته».
بعد انتهاء صلاة وخطبة العيد، اصطف المصلون في طوابير. وخلع أحد وجهاء العشائر عباءته وألبسها للرئيس، وآخر قال فيه شعراً شعبياً من تراث الرقة الفراتي. فيما تجمهر المواطنون في الساحة الرئيسة أمام مبنى دار الحكومة، حتى أطلّ عليهم الرئيس، وألقى كلمة عفوية حيَّا فيها عشائر الرقة وأبناءها، وذكّر الأحفاد بأمجاد الأجداد ونضالاتهم ضد الاحتلال العثماني والمستعمر الفرنسي.
والتقى الرئيس عدداً من وجهاء العشائر (الحقيقيين والوهميين)، وبعض الفعاليات الاجتماعية، ومثقفين منتقين بعناية فائقة، وحزبيين ورؤساء منظمات شعبية ونقابات مهنية ورؤساء بعض الجمعيات الأهلية المدنية...وشيوخ ووجهاء قُدّموا على أنهم علية القوم. ورأت وسائل الإعلام في اللقاء بيعة جدّدها وجهاء عشائر الرقة للرئيس الأسد، فيما كان اللقاء فقيراً بطروحاته التي لم يتجاوز بعضها المطالب الشخصية.
البيعة الثانية
تكرّرت لقاءات الرئيس الأسد مع وجهاء وعشائر ووفود من محافظة الرقة قبل انطلاق الحوار الوطني الذي شهدته سوريا وبعده.
حدث آخر شهدته الرقة، هو انعقاد المؤتمر العاشر للقبائل والعشائر العربية السورية في 30 كانون الثاني 2012، بمشاركة ألفي شخصية تحت شعار: «ماضون في التصدي للمؤامرة على سورية ومستنكرون للأعمال الإرهابية التي استهدفت أرواح السوريين الأبرياء ورافضون للحصار الاقتصادي».
المؤتمر كان بيعة علنية ثانية، نُقلت فعالياته على القنوات الفضائية مباشرة، ما أثار نقمة بعض الشباب على الشيوخ والوجهاء، إذ اعتبروه تحدياً لهم. تضاعف احتقان الشارع وتكثّف الحراك والدعوات للتظاهر، لتصدر بعدها «قائمة العار» التي تضمّنت أسماء شيوخ ووجهاء «خذلوا الحراك الثوري، وقبضوا ثمن تخاذلهم»، على حد قول معارضين.
اشتدت القبضة الأمنية واعتقل عدد من شباب الرقة، الذين ما إن كان يفرج عنهم، حتى يعودوا مجدداً الى نشاطهم السياسي. استمرت التظاهرات أسبوعياً مساء كل خميس إلى أن أصيب الشاب علي البابنسي برصاصة أدّت إلى وفاته في 15/3/2012، وقتل في تشييعه نحو 17 من شباب المحافظة.
حينها، بدأت المعارضة تنفيذ عمليات اغتيال في المدينة. اغتيل الطبيب إسماعيل الحمادة، عضو قيادة فرع حزب البعث في منزله (4/11/2012)، واستهدف محافظ الرقة حسن جلالي بعبوة ناسفة، لكنه نجا من الموت (13/11/2012)، كما اغتيل مدير أوقاف الرقة المهندس عبد الله الصالح أمام منزله في حيّ الدرعية (30/12/2012)، وتعرّض إمام مسجد النور الشيخ عبد العظيم شيخو لاعتداء لأنه أمّ الصلاة التي شارك فيها الرئيس. واغتيل الناشط على مواقع التواصل الاعلامي الشاب غازي عبوش، إذ أطلقت عليه النار في مقهى الانترنت الذي يملكه (14/1/2013)، ما أثار مخاوف الناس، بعدما بدت الدولة عاجزة عن حمايتهم رغم الحواجز المنتشرة في مختلف أنحاء المدينة.
البيعة الثالثة
أعلنت لحظة الصفر وأطلقت عملية «غارة الجبار». دخلت كتائب المعارضة المسلحة مدينة الرقة في 2/3 /2013، بعدما سحب الجيش معظم حواجزه من المدينة في اليوم ذاته. أحرق معظم من حضروا صلاة عيد الأضحى صورهم مع الرئيس، وبعضهم أخذها مع أوراقه الرسمية لحظة هروبه من المدينة، فيما يستمر آخرون في لعن موقع «يوتيوب»، الذي يحتفظ بصورة كل من صافح الرئيس. الشيخ عبد المحسن أنور الراكان، شيخ قبائل السبخة الشعبانية الزبيدية، وعضو مجلس الشعب عن محافظة الرقة سابقاً، غادر إلى السعودية، بعد سقوطه في الانتخابات التشريعية الأولى بعد إقرار الدستور الجديد عام 2012. لتظهر صوره في ما بعد على شبكات التواصل الاجتماعي، واضعاً علم «الثورة السورية» على كتفيه ويجمع التبرعات «للثوار».
وفقدت الرقة بعد «التحرير» شيخ قبائل الولدة الشعبانية الزبيدية، الشيخ عبد الرحمن المحمد الفرج السلامة، جراء سقوط قذيفة على منزله في قرية الصفصافة غرب الطبقة (20/4/2013)، وشيخ قبيلة العفادلة الشعبانية الزبيدية، الشيخ شلاش مجحم البشير الهويدي، بعد خضوعه لعملية قلب مفتوح (7/10/ 2013). بذلك، فقدت الرقة شيخي أكبر عشائرها.
وفي تطور لافت، وبعد أشهر من سيطرة الكتائب المسلحة على المحافظة، بايع عدد من شيوخ 14 عشيرة تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، بتاريخ 1/11/2013، وهو التوقيت نفسه الذي بايع فيه وجهاء العشائر الرئيس الأسد قبل عامين. أدت هذه البيعة إلى انقسام واضح بين القبائل، وأصدر «ائتلاف أحرار قبيلة الولدة» بياناً رفض فيه مبايعة «الدولة»، مؤكدين انتماءهم لـ «الجمهورية العربية السورية الحرة».
مجبر أخاك... أو بطل؟
وأكدت مصادر مقربة من بعض العشائر أنّ الوجهاء قدموا البيعة مجبرين وتحت التهديد، فيما رأى ناشطون أنّ شيوخ العشائر يختارون في كل مرّة الطرف الأقوى للوقوف معه.
ويقول الشاب محمد الخضر: «بعد الثورة السورية لم يعد هناك ولاء للعشيرة كما قبلها. أصبح الولاء للثورة فقط. الثوري الصادق الحقيقي هو أقرب لي من أخ يقف إلى جانب النظام». ويتابع: «شيوخ العشائر، حتى قبل الثورة، ليسوا أكثر من واجهات ورموز اجتماعية، لا يمكنها أن تمثل الشعب في لقاءات يجري الإعداد لها مسبقاً وانتقاء من يحضرها».
فشلت العشائر في الحفاظ على المدينة وإقامة إدارة ذاتية، أما الشيوخ والوجهاء، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر. ومنهم من غادر الرقة إلى تركيا أو دمشق أو اللاذقية. وفيما جرى الاستيلاء على بيوت وأملاك من عُرف بمواقفه المؤيدة للنظام، التزم آخرون بيوتهم خوفاً من الخطف أو رصاصة طائشة أو قذيفة مجهولة المصدر. ويرى مؤيدون للنظام في الرقة أنّه جرى التخلي عنهم والتضحية بهم لتقديم المدينة الصغيرة عيّنة تُثبت فشل المعارضة المتمثل في تسيير شؤونهم من ناحية، ونموذجاً حياً عن مستقبل سوريا تحت حكم «دولة الاسلامية في العراق والشام»، الذي يتنافى وطبيعة المحافظة وتركيبتها الديموغرافية. فيما يرى آخرون أن الرقة «حنثت بالعهد، وكل ما تعانيه اليوم ليس إلا نتيجة حتمية لخيانة حصلت».