المعضميّة | «تخيّلوا أننا نشتري كيلو الرز من أهالي داريا بـ 3000 ليرة». العبارة لامرأة من أهالي المعضمية ممن استطاعوا الهرب خارج الحصار المفروض على البلدة التي يتحصّن فيها مئات المقاتلين.

سعر الأرزّ، الذي قد يتجاوز 200 ليرة في المناطق التي تقع ضمن سيطرة السلطات الرسمية، يختصر الكثير عند الحديث عن بلدة المعضمية، وجارتها داريا، «قلعة» المعارضة «الصامدة» تحت قصف الجيش السوري لها، والتي لم تنتهِ العمليات العسكرية فيها منذ أكثر من سنة.

تحت أنظار الفرقة الرابعة

في الطريق إلى بلدة المعضمية، المرور إجباري من مفرق السومرية، حيث تنتشر محال تجارية، عمادها بيع المشروبات الكحولية وعلب السجائر. وهي تعتمد في تزويدها بهذه البضائع على سائقي خط دمشق _ بيروت.
أمتار قليلة تظهر «كراج بيروت». يحاول السائقون ترغيب الركاب بخفض أجرة التنقل، الذي تجاوز 3000 ليرة للراكب الواحد، بعدما كان لا يتجاوز 700 ليرة قبل «الثورة».
إلى الأمام قليلاً، تلفت الانتباه هيبة جبال المعضمية. فعلياً، هي جبال الفرقة الرابعة بتحصيناتها وآلياتها. فور الوصول إلى مكان قطع طريق «الأربعين»، الذي يصل المعضمية مع منطقة الجديدة، تسمع عبارة: «اتّجه يميناً». عبارة يقولها جنديّ سوري بقسوة، دالّاً نحو طريق فرعي بعيداً عن خطر طريق مقطوع بالأحجار.
تكشف «جبال الفرقة الرابعة» مساحات شاسعة من نقاط التماس، بالإضافة إلى إطلالتها على ريف دمشق الغربي، بمعاركه وسكانه وأراضيه المحروقة. قبل الاتجاه نحو الخط الفرعي، يظهر جامع عثمان المطلّ على الطريق، وقد نال حصته من القذائف. أمتار قليلة تفصل السيارة عنه، ولحظات عدّة قبل سقوط قذيفة على المنزل المحاذي لمسجد.
الاتجاه الفرعي لم يكن إلا طريقاً ضيقاً ضمن الأراضي الواقعة تحت سيطرة الفرقة الرابعة. ساتر ترابي عالٍ يفصل المتوجهين إلى البلدة عن طريق الجديدة. هذا الطريق بقي مكشوفاً على القناصين، حيث استمر سقوط الضحايا من أبناء المنطقة يومياً على مدار شهور طويلة. هذا طريق لم يسقط في أيدي المسلحين، إنما بقي تحت مرمى نيران قناصيهم فترة طويلة.
المدنيون المحاصرون... وأحجار التماس
أغلقت المعضمية كلّياً في تشرين الثاني عام 2012، فخرج عدد كبير من سكانها. تقسم البلدة الواقعة في الجنوب الغربي من العاصمة السورية إلى أحياء عدة. الجانب الملاصق لبلدة داريا يقع في أيدي مسلحي المعارضة. ويفصل الحي الشرقي البلدة المشتعلة عن مطار المزة العسكري. يمتدّ المطار ضمن مساحة على أطراف البلدة من الناحية الشمالية الشرقية. يعرف سكان البلدة أنّ المطار الذائع الصيت هو أول مطار أنشئ في سوريا. يجاورون سوره في بيوتهم العشوائية بوداعة غريبة.
يشرح أحد أبناء الحي أنّ غالبية سكّان هذه البيوت من الساحل السوري، بالإضافة إلى نسبة من الأكراد وبعض أهالي المعضمية الأصليين. ويذكر الرجل أنّ هؤلاء السكان هُم من بقوا في الحي، رغم انقطاع الكهرباء والماء عنهم أشهراً طويلة. ويتابع: «سمّيت المنطقة هُنا حيّ الموت، بسبب أعمال الخطف، التي اتهمت اللجان الشعبية بتنفيذها».
منازل أهالي المعضمية في الحيّ مقسومة في ما بينها بواسطة بضعة أحجار. خط تماس يفصل بين جيران العمر. ما بعد هذه الأحجار، قد «يختفي» المارّ إن لم يكن من أبناء المنطقة، حيث تفصل بيوت أهالي المعضمية الحيّ الشرقي عن مناطق نفوذ المسلحين. كذلك لا يمكن خروج أي مدني من دون رعاية الدولة السورية.
دبابات عدّة متوقفة بالقرب من منطقة التماس الهادئة، تلاصق بيوت المعضماويين. عناصر من «اللجان الشعبية» يرتدون اللباس المموّه ويجلسون على كراس بلاستيكية، في ظلّ الدبابات يدخنون النارجيلة. بالقرب من معمل آسيا للألبسة، الذي لم ينَل حصّة من الأذى رغم كل الدمار الذي نالته منطقة المعامل وتجمّع المدارس، حيث مقر الاشتباكات اليومية، سيشير أحد السكان إلى بعض نقاط توزيع البضائع المسروقة. تجار الأزمة معروفون في المعضمية.
محاولات عدّة جرت لإخراج المدنيين من البلدة عبر المدخل الغربي للمعضمية، حيث المزارع والبساتين التي تعود ملكيتها لأهل البلدة. أثمرت بعض محاولات إخراج المدنيين بحضور وزراء سوريين ورعايتهم، ما أسفر عن إجلاء 3000 منهم، ممن هم فوق 70 عاماً، بالإضافة إلى النساء والأطفال.
وأشيع في ذلك الوقت عن مفاوضات لتسليم البلدة من قبل المسلحين من دون قتال، إلا أنّ القصف على البلدة ما زال مستمراً. لا اتفاق إذاً.
عملية أخيرة لإخراج المدنيين جرت منذ أيام، كان من نتائجها خروج أقل من ألف مدنيّ، مجدداً، إلى «حضن» الدولة.

لا تقدّم للجيش السوري

في طريق الخروج من المعضمية، لا بد من المرور عبر طريق المبنى المركزي للأمن الجنائي، والذي تشبه تحصيناته ثكنة عسكرية مدعومة بدبابتين. إلى اليمين مساكن الشرطة الجديدة، وإلى اليسار المساكن القديمة.
تتاخم مساكن الشرطة الجديدة طريق «الأربعين»، ما أدى إلى خروج سكانها منها بسبب كشف شققهم على نيران القنص والقذائف. الصعود على أحد أسطحها يكشف مزارع المعضمية وبيوتها البعيدة التي تستقر أهداف الجيش فيها. صاحب المبنى يذكر أنّ كل المناطق المذكورة في الرحلة، ليست مدينة المعضمية... هي أطرافها فقط. «أين يتقدم الجيش إذاً؟». ليجيب الرجل نفسه: «الجيش فعلياً يتقدم أمتاراً قليلة. وكل محاولة توغّل برّي تفشل بسبب تواضع تحضيراتها. لا نيّة بالتوغل البري. الجيش يكتفي بسلاح المدفعية».
مشهد آخر لمدرسة مساكن الشرطة، وقد عادت إلى العمل بعدما بقيت قرابة السنة معرّضة بتلاميذها وجهازها التعليمي لرصاص القناصين. مدرسة أُخرى محاذية لها تبدو وقد خرقتها طلقات القنص وهدمت القذائف سطحها، حتى توقفت عن العمل. ثمّ افتتحت منذ أيام بعد تأمين المنطقة.
صورة تعبّر عما ألِفه السوريون في زمن الحرب، كما اعتاد المعضماويين القاطنون على أطراف البلدة القنص المتكرر، فتعاملوا معه كما لو كان أمراً واقعاً.