دمشق - لم يكن من السهل على العائلات القاطنة في المناطق الساخنة عسكرياً أن تتخذ قرارها بالبقاء داخل مناطقها، مع ما يحمله هذا القرار من تعريض جميع أفراد العائلة لأخطارٍ عديدة. بل أجبرتها ظروفها على المفاضلة بين ما تراه سيئاً وأسوأ.


بعض هذه العائلات لم تخرج من مناطقها، بينما جرّب بعضها الآخر النزوح، وفي كثيرٍ من الأحيان، عاد من التجربة خاسراً، فلم يجد بدَّاً من العودة، تحت النار، إلى منطقته. مبررات كثيرة يقدمها أولئك إلى السائل عن أسباب بقائهم، يكمن أول هذه المبررات في صعوبة العثور على منزلٍ يمكنهم تسديد إيجاره، لا سيما مع الارتفاع الناري الذي أصاب أسعار الإيجارات السكنية. فعلى سبيل المثال، وصل متوسط إيجار البيت في منطقة جرمانا إلى 20000 ليرة سورية، على الرغم من كونها غير آمنة، بينما يتضاعف هذا الرقم في حال قررت السكن في منطقة لا تستهدفها قذائف الهاون يومياً. وإلى جانب هذا، تعزو بعض العائلات سبب عدم مغادرتها إلى مناطق أخرى إلى التعميم السائد في معاملة أبناء المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة، «عندما تكون من أبناء حرستا، عليك انتظار الشكوك الأمنية التي ستواجهك. ليس من الفروع الأمنية فحسب، بل حتى من بعض المدنيين». وما تبقّى من تلك العائلات، فبسبب الخوف من حملات السرقة المنظمة التي تتعرض لها المنازل الفارغة من سكانها، يبادرك أحدهم: «عندما تترك بيتك بلا سكان، فاعلم أنه سينهب، سواء من مقاتلي المعارضة أو من أبو شريطة حمرا»، في إشارة إلى مقاتلي «الدفاع الوطني» الذين يميّزون أنفسهم بشارات حمراء يضعونها على أكتافهم.
في الريف الجنوبي لدمشق تتموضع مدينة داريا التي تعتبر إحدى أشرس الجبهات القتالية في الريف. منذ اندلاع الاشتباكات فيها، غادرها القسم الأكبر من سكانها، بينما بقي بعض السكان على أطراف المدينة، لا سيّما تلك القريبة والمتداخلة مع مدينة صحنايا (جنوب داريا). ولهؤلاء معاناتهم الخاصة؛ فعدا عن خطر المعارك الطاحنة التي تشهدها المدينة، يأتيهم عذاب الطريق إلى أشغالهم ليزيد من تردّي وضعهم. «تبدأ معاناتنا بالتفكير في طريقة الوصول إلى الشارع العام في الأيام التي تكون المعارك فيها مستعرة، ومن الشارع العام حتى كاراج نهر السيدة عائشة، هناك أكثر من أربعة حواجز أمنية على الطريق، أحياناً تمرُّ ساعتان للوصول إلى الكاراج. وبعد أن نصل، نكون قد قطعنا فقط نصف المسافة إلى مكان عملنا»، يقول أبو ماهر، وهو أحد العاملين في وزارة الزراعة في دمشق. ويضيف في حديثه إلى «الأخبار»: «أما طريق العودة فهو أكثر صعوبة بسبب التدقيق المكثَّف على الحواجز. وبسبب اشتداد وتيرة المعارك في داريا خلال النهار». أما أطفال هذه المناطق، فغالباً ما يلجأ أهاليهم إلى تسجيلهم في مدارس صحنايا، ما انعكس سلباً على أداء هذه المدارس، نتيجة الزيادة الخانقة في أعداد طلابها. «قد يصل عدد طلاب الصف الواحد إلى 60 طالباً، كيف لنا أن نستوعب الدروس؟ هذا عدا عن كثرة عدد الحصص الفارغة، بسبب التغيَّب المتكرر لبعض المدرِّسين القاطنين في مناطق التوتر»، تقول الطالبة رهام شقير.
لا تبدو الصورة مختلفة كثيراً، من حيث الشكل، عن الريف الشمالي للعاصمة. ففي حيّ القابون، الذي لا تقلُّ معاركه وطأة عن معارك داريا، تتفاقم معاناة بعض العائلات التي بقيت على حدوده مع شارع فارس الخوري. هؤلاء مجبرون على التعامل يومياً مع كلا الطرفين. تقول إحدى السيدات الموظفات في المؤسسة العامة للتأمين والمعاشات في دمشق، فضّلت عدم الكشف عن اسمها: «قبل خروجي من بيتي، أفكر ملياً كيف سأتلافى خطر المسلحين المتشددين في الحي. هؤلاء يضيِّقون علينا بشكلٍ قاتل، خصوصاً إن كانت المرأة غير محجبة أو لا ترتدي العباءة، السوداء حصراً». تصمت قليلاً لتستدرك: «وليست معاملة الحواجز الأمنية بأفضل. أكثر من مرة احتجزوا ابني الوحيد لمجرد أنه من القابون، لتنشغل العائلة كلها بالبحث عنه. على كل حال لسنا الوحيدين، فالكثير من سكان المناطق الملتهبة لم تساعدهم الظروف ليتمكنوا من النزوح». وقد تعلَّم بعض سكان القابون كيف يتدبرون أمورهم، جملٌ مثل «كيف الشباب؟» و«يعطيكن العافية» أو «الله ينصركم» كفيلة بأن تبعدك عن المشاكل التي قد تواجهك على الحواجز التابعة للطرفين. يروي أحدهم كيف قدَّم صحن حلويات إلى «اللجان الشعبية»، وآخر إلى حاجز «الجيش الحر»، عندما «أخطأ» وقرّر أن يسهر مع عائلته.
والجدير بالذكر، أن غالبية المؤسسات العامة قد خففت، تدريجاً، تشديدها على الموظفين، من سكان تلك المناطق، تفهماً لظروفهم، إلا أن عدم وجود صيغة محددة لهذا التفهم يفتح المجال لأمزجة المديرين في كل مؤسسة، إذ قام بعضهم بالحسم من رواتب موظفين تخلفوا عن العمل، رغم علم هؤلاء المديرين بقطع الطرقات نتيجة المعارك، والحجة المكررة «هذا قانون، وأنا كمدير لا أستطيع أن أخالفه أبداً». يختزل أحد الموظفين المشهد كاملاً بقوله: «تنتهي من عبء المسلحين، يأتيك عبء الحواجز الأمنية والطريق الطويل واضطرارك إلى المشي طويلاً نتيجة قطع الطرقات أحياناً. تنتهي من هذا كله، تخرج إليك بيروقراطية المديرين أصحاب السيارات الفخمة».
يبدو أن إيجاد حل جزئي يعالج المعاناة التي يتكبدها سكان هذه المناطق صعب للغاية، نتيجة التعقيد الحاصل في أزمتهم، حيث بات أملهم الوحيد معقوداً على إيجاد حل سياسي جذري وشامل، قد يفتح الباب أمامهم للعودة إلى حياتهم الطبيعية المفقودة منذ بداية الأزمة.