بين خيمة اللاجئ وخيمة المعتصم علاقة وطيدة. هما وجهان لمصيبة واحدة، بل قل لسياسة واحدة. حين ارادونا لاجئي دائمين، حولونا الى متسولين. شحاذون يعصرون حبة الدواء في افواه المرضى، ويقننون لنا المسكن: يوما تحت سقف من الزينكو واخر في العراء. كل العراء سواء .. ان تتسول الكرامة والامان والاستقرار والحد الأدنى من الحياة الكريمة، او ان تتسول لقمة العيش، لا فرق. ثمة ما هو اقسى، ان نتسول وطنا على ابواب السفارات!


هي حال ابناء نهر البارد اليوم بعد ان تركوا على قارعة طريق وخارطة وطن يحلمون بالعودة اليه. يقول احد الناشطين المعتصمين «اعطونا الدار وخذو بدل الايجار»، ولكن، سنوات سبع قضاها ابناء نهر البارد وهم تائهون بين «الحانا والمانا». حانا وعود اطلقت ابٌان دمار مخيمهم ، ومانا لم يجدوها بعد، على الرغم من كل الاعتصامات المتكرره والمناشدات والعرائض التي قدموها مرة بعد مرة. تفرجنا على الوفود الاوروبية. «وفود رايحه ووفود جاية» حتى اصبحنا على رأي احدهم «صرنا يابا فرجة»! لم يبق سفير من الدول المانحة المانعة، دول اللامبالاة .. حتى السيدة سفيرة الدولة العظمى الولايات المتحدة الاميركية.
كلهم زار وتفقد وناصر وايد ووعد. كلهم صرح واضاف واستنكر وحث... ونحن كمان نحن، لا بل اسوآ، لا زلنا ننتظر وعدك يا كمون. لا الاعمار اكتمل، ولا الناس عادوا، واكتشفنا على حسابنا، دائما على حسابنا، ان كل ما قيل كذب بكذب. فماذا نقول؟
وما زاد الطين بلّة، ما قامت به ادارة الانروا من اصدار فرمانات ما انزل الله بها من سلطان! فرمانات تهطل علينا ككوماندوس معادي، وتنزل كالصاعقة على رؤوسنا، رؤوس فقراء البارد. فرمانات، حسب شباب الحراك، لا تساوي حتى بيننا وبين الحيوان في دول مسقط رأس الاونروا.
بكل الاساليب الحضارية، لم يبق نوع من تحرك سلمي في العالم الا وقمنا به، حرصنا ان نكون بعيدين عن كل ما يسيء لصورة تحركنا، ضمن ما نستطيع، علٌنا نستطيع اسماع صوتنا للعالم بعد ان اغلقت في وجهنا فضائيات العالم. فلا احد يريد ان يرانا. نحن موضوع مستهلك لا يشد مشاهدا. وكان الأخبار هي للتسلية والتشويق. خيمة يتيمة ترقد حزينة امام مكتب الانروا الرئيسي في بيروت منذ ما يزيد عن خمسة عشر يوما. تحارب بصدرها العاري وصوتها الذي بح من الصراخ في وجه هذا العالم المنافق. خيمة تتحمل كل انواع المضايقات، وتصبر على الصبر نفسه. كيف لا وجدّنا ايوب. لا نريد لابنائنا ان يكونوا جثثا على ابواب المستشفيات. هي حربنا الاخيرة. نعلم تماما ان اي فشل، لن تقوم بعده للبارد قائمة. الفشل ممنوع .
ابو محمد رجل يعاني من كل انواع الامراض. يقول: «والله يا عمي ما عاد عندي شي اخسره. خسرنا كل شي وما عاد الا شوية هالكرامة. شو بدهم ايانا ندور على الجوامع او الكنائس لنشحد ثمن العلاج؟ بعيده على رقابهن. واللي خلق الكون، يرجعوني على بلدي ومسامحهن بكل ما املك.
وتبقى الخيمة شاهدة . وتصبح الخيمة بفعل التصميم والارادة عنوانا لنضال آخر، ورمزا لمقاومة قرارات مجحفة وظالمة. ان خيمة اللاجئ كانت وستبقى قضية سياسية وليست انسانية فقط.
ويبقى السؤال لماذا يجري اللاجئ والخيمة تجري امامه؟ اما آن للخيمة ان تسقط ؟
بلى. ستسقط الخيمة ومن يريد للفلسطيني اي يبقى فيها. وسيعيش الوطن في فيء ابنائه يا غسان.