آلاء فاضل


ابتعد عن التأريخ. فكتابة التاريخ اعتراف واضح، غير مبطّن، بأن ما مررنا به صار رسميّاً من الماضي.
«الفلسطينيّون باعوا أرضهم». «تركوها». «استبدلوها بشعارات يكرّرونها في الاعتصامات، بقصائد تنشد في مهرجانات تحيي ذكرى فقدان تلك الأرض، بمجموعة قصص يرويها الكبار للصغار، أو بكوفيّة يلتحفونها وفاءً لقضيّة لم يناضلوا من أجلها». «ليعد من يدّعي الوفاء ويناضل في فلسطين».
هذه الجمل، أو مرادفاتها، قد تسمعها أيّها الفلسطينيّ يوميّاً من خصومك وبعض أصدقائك «المثقّفين» على حدّ سواء. كأنّ الموت نزهة عابرة في فلسطين. وكأنّ العودة حقّ مؤجّل بإرادتك.
نحن لم نبع أرضنا. طردنا منها بقوة الموت. أدركنا أنّ موتنا لا يجب أن يكون مجانيّاً. أن تطلب من شعب أعزل أن يموت في أرضه، كما حدث في دير ياسين، ليس تعريفاً دقيقاً للنّضال، ولا بلورة حقيقيّة لقدسيّة الصمود. فمن ماتوا هناك كانوا أناساً عزّلاً. قتلهم من عبر البحر مع موسى وعاد بعد قرون ليستعيد أرضاً لجأ أجداده إلى أهلها.
حين تطلب منّا نضالاً حقيقيّاً مسلحاً للدّفاع عن فلسطيننا، عليك أن تدرك أوّلاً الفارق البسيط بين الفلسطيني وأيّ مواطن من جنسيّة مختلفة يحيا فوق أرضه (أو يحقّ له ذلك)، وهو ما معنى الوطن.

من أبسط الجمل التي تقال في تعريف الأوطان: الوطن حيث تولد، وتكبر أو حيث ستموت.
لكنّ وطن اللاجئ الفلسطيني ليس أرضاً. هو مجموعة ذكريات وأحزان كأنّ الله حمل مآسي التّاريخ وأفرغها فيه. والان أنت تطالبه بألّا يحزن. تمنعه حقه في البكاء على ما خسر: ذكريات أشجارٍ وبيوتٍ صغيرة، مقاتلين أصبحوا أرقاماً في مقابر لا تتسع له. تلبس الفلسطيني كرهاً دور الضّحية. تتّهمه زوراً بالانهزام المطلق. ثمّ تمنعه من الاعتراض على شكل موته ومن الموت بالطريقة التي يريدها.
لا شيء مطلق سوى الرّحيل.
وهنا لا بدّ لمدّعي الحضارة أن يعلموا، وربما هم يعلمون، أنّه لو ترك للفلسطينيين المتمسّكين بقضيّتهم خيار المقاومة المسلّحة لما اختاروا اللجوء. فهم وقضيّتهم قنبلة معبّأة من شظايا رصاص أطلق على صدورهم لخمسة وستين عاماً. لكنها لن تنفجر إلّا حين يمنح الشّهداء أكثر من زاوية مؤقّتة في قلب من يحبون، حين يمنحون وطناً. فالحرب في فلسطين لم ولن تكون نزهة، ولا اللجوء إلى بلادكم كان رحلة اختيارية.
إلى أن يحين موعد عودتك أيها اللاجئ، لا تؤرّخ مما حدث شيئاً. فالأحداث تفقد وهج طراوتها إن سلّمتها للتّاريخ. أكتب أحزانك وجراحك، وحين يسألك ابنك عن وطنه، أخبره أنّ الهجرة القسريّة لا تلغي الانتماء إلى الوطن. لا تقل فلسطين أرض أجدادي.
ففي هذا تسليم بأنها لم تعد أرضك. فلسطين أرضي وأرضك وأرض أجدادك.