«الهواء اليوم حامض»! هي الكلمات الوحيدة التي خطرت ببالي للإجابة عن السؤال اللئيم الذي يطرحه محرك الفايسبوك على كل من يدخل إلى صفحته «بم تفكر؟». والسؤال قفز في وجهي ما إن فتحت صفحتي. فكرت قليلاً وكتبت: «الهواء طعمه حامض، هذا ما أفكر وأشعر به، ليس اليوم فقط، بل منذ مدة طويلة قاربت العام حتى أصبحت عاطلاً من التفكير»؛ هذا التعبير جعلني أتساءل: كيف استطاعت بضع كلمات لشاعر ألقاها منذ زمن بعيد أن تبقى حاضرة ومعبّرة عن واقع الفلسطيني اليوم؟ لا بل إنها تصبح، بالتكرار، أشد قسوة ومرارة في كل مرة.
فسنوات العسل الطويلة التي قضاها الفلسطيني في سوريا وسط اليرموك، أكبر مخيماته، توشك أن تنتهي بفاجعة الموت جوعاً جراء الحصار. وكأنّ هناك من سئم القتل بالرصاص، وقرر تجريب طريقة جديدة! طريقة «أثمرت» حتى اليوم 3 ضحايا: طفلة وعجوزين. يا للمحصلة!
يحاصرني ذلك الشعور الخانق، بأني على وشك خسارة المخيم الذي أدمنه والناس التي أحبها، بينما أرى الآخرين، منّا، يبررون هذا الموت!
اليوم، أصبح كل شيء بحاجة للتدقيق: المفاهيم، الرموز والشعارات جميعها؛ حتى تلك الأسطورة التي أسميها «الثورة الفلسطينية» وأفتخر بها!
في الماضي كنت أقول لنفسي، وبسبب حاجتنا للتميز: إننا ربما رفعناها، اقصد الثورة، لدرجة الخرافة. فأي شعب آخر كان سيقوم بما قمنا به خلال مواجهة عدوه المعلن والمستتر. ولكني الآن اكتشفت خطأ اعتقادي! فالأسطورة حقيقية وليست خرافة، والرواية مستمرة وحية، وما يحصل في مخيم اليرموك جزء من تفاصيلها: حصار جديد في زمن جديد لفلسطيني جديد!
وما زلنا ندفع فاتورة الموت اللعين: 97 شهيداً تحت التعذيب في السجن، و1500 شهيد في المعارك، وثلاثة من الحصار جوعاً، في حرب كنا نظنها حربنا؛ ألم تكن الحرب دفاعاً عن المحور الذي يدافع عن قضية العرب الأساسية، أي فلسطين؟ كيف لا تكون حربنا إذا؟ لكننا اكتشفنا أنها حرب الآخرين مع الآخرين! أما نحن، فمجرد «خسائر جانبية». ومن نجا من الموت بالرصاص أو بالجوع، خرج ليختبر بنفسه صدق الشعار «أمة عربية واحدة» فأحاطته الخطوط الحمراء وأبواب الأشقاء المقفلة لدواع ٍ أمنية وأخرى سياسية. صفعته الحقيقة التي حاول مراراً تجاهلها: بأنّ فلسطين مجرد كلمة تستخدم في فنّ الخطابة ومن لوازم الديكور القومي في بلاد تذكّره دوماً بأنها «بلاد الآخرين»، وأكتشف أنا، بدوري، صدق النبوءة لشاعري المفضل محمود درويش «كم أنت وحدك!». فالعروبة أصبحت، على ما يبدو، مجرد وجهة نظر. والأمة الواحدة؟ حلم قديم كان لدى العرب. أما الأخبار التي تقول: قتيلان في البحر، ومئات المحتجزين بلا طعام في سجون مصر؛ وفي مخيم «سايبر سيتي» على الحدود الأردنية، كما المئات على الحدود اللبنانية؟ فكل هذه الأخبار كافية لأن يشعر أي أنسان بعد سماعها بأن طعم الهواء فعلاً... حامض.
أفتح صفحة الفايسبوك وأهرب من الإجابة عن سؤال «بم تفكر؟». أهرب كي لا أصبّ نيران الكلمات على أحد! وأتابع تصفح أخبار مخيم اليرموك التي أدمنت وخزها في رأسي كمن يبحث عن العلاج بالدبابيس الصينية. الخبر الأول: محاولة ناجحة لإعداد الخبز في المخيم من طحين العدس والأرز، خبر آخر: معاناة البحث عن الطعام ما زالت مستمرة. خبر ثالث: زفة عريس تجوب شوارع المخيم. خبر رابع: سقوط شهيد، خبر خامس: الأهالي بدأوا بزراعة بعض الخضروات على جوانب الطرقات وعلى أسطح المنازل، لكنْ هناك نقص بالمساحات الصالحة للزراعة وبالبذور. خبر سادس: اعتصام أمام مركز الأونروا للتنديد بتخليها عنهم. أحببت كثيراً تلك اللافتة التي كتب عليها «يا وحدنا». وأخيراً: المعتقلون السوريون والفلسطينون في سجن «كرموز» المصري، يناشدون الأمم المتحدة التدخل إنسانياً من أجلهم!
أنهيت قراءة الأخبار، لكن فضولي قادني لأعرف ما فكر به الأصدقاء. اقرأ ما كتبه أحدهم من داخل المخيم «القصة مش قصة صمود خيا؛ القصة قصة وجود»، واكتفى بذلك، آخر يعلق على خبر مفاده أنّ «نائبة في البرلمان السويدي تطلب تسهيل هجرة السوريين إلى بلادها بعد سماعها أخبار موتهم في البحر أو اعتقالهم». فيقول: «هذه السيدة تمثلني».
وفي فوضى التعليقات لمحت عبارة لصديقي عبادة، كتب فيها ما خطر بباله ببساطة شديدة، قال: «أنا فلسطيني وكفى!». وبحركة خاطفة سبقتني يدي ونقرت «لايك»، فهو دون أن يدري اختصر كل النبوءات الشعرية التي اختبرتها وكل التعديلات والاكتشافات التي توصلت إليها ليقول متحدياً: نعم، أنا صاحب هذه الهوية التي نجت من زمن الانكسارات السابقة، وما يحصل الآن مجرد فصل جديد يضاف إلى الرواية الفلسطينية الطويلة التي سينجو أبطالها بطريقة ما. لا أعرف كيف، ولكن ربما كعادتنا سوف «نربي الأمل»، كما يفعل المحاصرون في اليرموك. ولأنني واحد منهم، سأكتب ما أفكر فيه، ولكن ليس على صفحة الفيسبوك، بل هنا، والآن، ولكل من يهمه الأمر أو... لا يهمه.
على الحدود الدولية وعند كل باب «نعم أنا فلسطيني... وذلك اسمي المرفق بهذا «البيان الخطي».
إنسرت: نحن مجرد خسائر جانبية في حرب الآخرين مع الآخرين




يرزح مخيم اليرموك تحت حصار تام منذ ثلاثة أشهر. وقد أدى الصراع الدائر هناك إلى تشتيت أهله بين باقين فيه، وهاربين منه إلى الحدود العربية التي أقفل معظمها في وجههم. ويمنع دخول الفلسطيني من حملة الوثائق السورية إلى الأردن بقرار من المجلس القومي الأردني. كذلك منع من دخول مصر نتيجة الأحداث التي تشهدها البلاد هناك. وكذلك اعتقل من حاول الهرب عبر البحر إلى أوروبا بتهمة «الهجرة غير الشرعية» وأودعوا السجن ضمن ظروف إنسانية صعبة، بينما كان لبنان الدولة الوحيدة التي فتحت حدودها ثم أغلقتها منذ فترة من دون سبب معلن.