عادت الحركة تدبّ على مسار العمل الديبلوماسي بشأن سوريا. المفاوضات لم تتوقف لحظة، حتى عند قرع طبول الحرب. التركيز انتقل من نقطة الى اخرى، لكن الملف الثابت الوحيد ظل هو مصير الرئيس بشار الأسد. واذا كانت الحكاية غير مرتبطة بشخصية الرجل، فهو أضحى عنواناً لها. يجب ألّا ننسى هنا أن العالم كله خاض معركة سوريا تحت شعار اسقاطه. كان هو الهدف المعلن للصراع، حتى بات مقياساً للربح والخسارة. أي نهاية تُخرجه من المشهد تعني انتصاراً لأعدائه، وأي خاتمة لا يغيب عنها تكون إعلاناً بانتصاره وحلفائه. هذا بالنسبة إلى المعسكر المناهض لسوريا. أما بالنسبة إلى حلفائها، فالقصة أكثر تعقيداً، يدخل فيها العامل الشخصي مع البعد المبدئي مضافاً إليه الضرورات التكتيكية للصراع، وغيرها كثير، ما يجعل هذه النقطة مفصلية.
المفاوضات هي الترجمة السياسية للواقع الميداني. وعليه تبدلت السقوف واختطلت الاوراق، وخصوصاً خلال الأشهر الماضية. بدأ الغرب مقاربته السياسية برفض أي تفاوض قبل سقوط الأسد ونظامه، ثم تراجع نحو القبول بمفاوضة النظام بعد رحيل رئيسه. ثم قبل ببقاء النظام، ولكن شرط رحيل رئيسه. ثم سلّم بوجود الأسد خلال المرحلة الانتقالية، ولكن من دون صلاحيات. وبين جولة تفاوضية وأخرى، جولة ميدانية ومحاولات لتغيير موازين القوى لصرفها على المسار الديبلوماسي حيث جرى تقديم آخر العروض في شهر رمضان الماضي، قبل أسابيع فقط من «معركة الكيميائي».

السمعة لموسكو...

ظروف المعركة وطبيعة الصراع وموازين القوى الدولية ولعبة المصالح جعلت روسيا المفاوض الرسمي نيابة عن محور الممانعة. والمقصود حصراً هو التفاوض مع الولايات المتحدة. لا يعني ذلك أن الحركة الديبلوماسية تقتصر على هذا الخط الثنائي. بالعكس، فالخطوط متعددة ومتشابكة وتمر بجميع العواصم المعنية، مباشرة أو بالواسطة. ومع ذلك تبقى القناة الروسية - الأميركية الأشمل؛ لأنها المظلة الكبرى لترتيبات تتجاوز الساحة السورية. والحديث عن المفاوض الرسمي والقناة، يقتضي توضيح طبيعة العلاقة بينها وبين أهل الدار، التي أدت دوراً كبيراً في تحديد سقوف المفاوضات وآلياتها.

لسنا بحاجة لكم!

ولعل النقطة المفصلية في هذا السياق تعود إلى ست سنوات خلت، وتحديداً إلى عام ٢٠٠٧. آنذاك قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بزيارة تاريخية لإيران، كانت الأولى من نوعها لزعيم روسي منذ زيارة جوزف ستالين للمشاركة في «مؤتمر طهران» في عام ١٩٤٣. كانت المناسبة حضور قمة الدول المطلة على بحر قزوين، واستغلها سيد الكرملين لبحث بعض الملفات مع القيادة الإيرانية، يتقدمها الملف النووي وملف الطاقة.
استقبل الإيرانيون الزعيم الروسي بحفاوة لافتة تتناسب وأهمية الضيف الذي زار المرشد علي خامنئي قبل مغادرة طهران. في تلك الجلسة عرض بوتين رؤيته للوضع الإقليمي والعالمي، وقدم مداخلة استخدم فيها الكثير من عبارات من مثل «يجب أن تفعلوا» و«عليكم أن تتجنبوا». استمع خامنئي بإنصات، كعادته. وانتظر أن انتهى بوتين من حديثه ليعقّب عليه بلغة دمثة مفعمة بمفردات ديبلوماسية، لكنها حازمة ومباشرة في الوقت نفسه. يمكن اختصار رد خامنئي بكلمات ثلاث: «لسنا بحاجة إليكم»، تقول مصادر معنية إن الرئيس الروسي سمعها حرفياً.
مضى الوقت، وتغيرت الظروف والمعادلات وموازين القوة وبقي مبدأ التعامل الإيراني مع روسيا هو نفسه، لم يتزحزح قيد أنملة حتى اللحظة. حتى عندما خيّم شبح الحرب خلال الأسابيع الماضية على المنطقة، وأخرجت الصواريخ من مخابئها. بقيت الرسالة نفسها: سنقاتل وحدنا، وبكل ما أوتينا من قوة دفاعاً عن الأسد. كانت جملة سمعها بوتين من موفد رفيع المستوى قبل يومين من مشاركته في قمة العشرين.
ما تغير خلال العامين الماضيين كان رؤية موسكو للخارج، وطريقة تعاملها مع العالم، ومن ضمنه إيران. أيام تلك الزيارة في عام 2007، كان الروس يشترون بالمفرق ويبيعون بالجملة. يراكمون الأوراق من طهران واحدة بعد الأخرى، ويبيعونها دفعة واحدة على طاولة المفاوضات مع الأميركيين، مرة في مقابل عضوية منظمة التجارة العالمية، ومرة بثمن تسويات في أوروبا الشرقية. والدليل يمكن تلمسه بعرقلة وتأخير ملف بوشهر، ثم امتناع موسكو عن تسليم طهران منظومة صواريخ «اس. اس. 300»، رغم تفاهمات سابقة في هذا الشأن.

روسيا القيصرية مجدداً

أدرك بوتين أن روسيا تبقى قيصرية مهما تبدل الزمن. والمقصود هنا أنها كروسيا القيصرية قائمة على التوسع، وأن الدفاع عنها وعن كينونتها ونظامها يبدأ في أوروبا وآسيا وأفريقيا. أيقن أن الاتحاد السوفياتي، بعظمته، انهار يوم انكفأ على نفسه، يوم تقوقع في الداخل، وأن الغرب سيبقى يتعامل مع موسكو على أنها الخصم، مهما أبدت هي من حسن نيات. ما حصل في ليبيا يوم أقصي معمر القذافي كان خير مصداق. وقتها، سمع بوتين الغرب يقول له: أنت لست أطلسياً.
مع اندلاع الأزمة السورية، وجد فيها الروس مدخلاً لرسم خطوط حمر، وفرض معادلات. من هنا يمكن فهم القائلين بأن «بوتين يحتاج إلى الأسد وليس العكس»، بغض النظر عن مستوى المبالغة في هذا التعبير. ومن هنا أيضاً خرجت المعادلة الشهيرة: الروس يدافعون في دمشق عن أسوار موسكو التي أصبحت أخيراً شريكاً لواشنطن في الشرق الأوسط، وتقاتل لرفع حصتها في تلك الشراكة.
لكن أكثر من عقدين من الدبلوماسية المنكفئة مع غورباتشيف ويلتسين، لا بد طبعت كوادر وأطر العمل الدبلوماسي الروسي، وجعلت العودة إلى النهج القيصري ــ السوفياتي دونه مطبات، استهلك الروس بعض الوقت وكثيراً من المساعدة لتجاوزها.

الأسد على طاولة المباحثات

لعل الخطأ الأول الذي ارتكبته الديبلوماسية الروسية كان في مقاربة ملف المفاوضات حول سوريا، الذي بدأ يتحرك ويزداد سخونة كلما سقطت الرهانات على سقوط سريع للنظام السوري. تعامل الروس في البداية على قاعدة الرزمة الواحدة، بمعنى أنّ عناصر الأزمة كلها مطروحة على طاولة البحث، وكل شيء قابل للتفاوض، في مقابل الثمن المناسب.
كان التدخل الإيراني الأول: الرئيس الأسد خارج دائرة التفاوض. والمقصود أن مصير الأسد تحدده الانتخابات المقررة في نهاية ولايته في عام ٢٠١٤ وليس أي شيء آخر. لا شك في أن عامل الوفاء للرئيس السوري أدى دوراً مركزياً في هذا الأمر. لكن القصة تتجاوز بكثير هذا البعد: ترى إيران أن اصل الموافقة على مبدأ طرح موضوع الرئيس على طاولة التفاوض يعتبر تنازلاً كبيراً مجانياً. ثم إن مجرد القبول بأي صيغة لا تجعل الأسد يكمل ولايته يُعتبر إذعاناً لمطالب الغرب ومؤشراً قد يفهم على انه انكسار لمحور الممانعة واستعداداً لمزيد من التنازل.
كذلك يرى الايرانيون أن الحكاية ليست نظاماً ورئيساً، بل الاصطفاف الجيوسياسي لسوريا، وبالتالي إن التصويب على الأسد هدفه إطلاق آلية تنقل سوريا من ضفة إلى أخرى. كان لا بد من موفد خاص وشرح مفصل عنوانه: خسارة الأسد تعني خسارة سوريا كلها. وسقط كل اقتراح يتضمن خروجاً للأسد من المشهد قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة.
الانتقال إلى المرحلة الثانية من المفاوضات، حمل معه البحث عن دور الأسد في المرحلة الانتقالية ووضعه خلالها. وهنا أيضاً يمكن التأكيد أن روسيا تولت المفاوضات مع الاميركيين، ولكن انطلاقاً من الموقف الإيراني. وهو ما شرحته عبارة قالها سيرغي لافروف لنظيره الأميركي جون كيري في إحدى جلسات التفاوض: «نحن لا مانع لدينا، ولكن يجب مراجعة الإيرانيين».
تبدلت كثيراً الصيغ التي عرضت لإدارة المرحلة الانتقالية. بدأت بطلب الغرب بحق اختيار ممثلي المعارضة والنظام معاً إلى طاولة الحوار، مروراً بإعطاء النظام حق تسمية ممثلين «غير ملطخة أيديهم بالدماء» وبعث «مندوبين غير مستفزين». ثم جرت الموافقة على مبدأ مشاركة ممثلين عن النظام في الحكومة الانتقالية في ظل بقاء الأسد في منصبه منزوع الصلاحيات، على أن يرحل في نهايتها مع موعد الانتخابات، إلى أن جاء عرض رمضان.

ما بعد عدوان.. لم يقع

في هذه الأثناء، اندلعت «معركة الكيميائي». أُبرز إلى الواجهة خيار الحرب شاملةً. كان الهدف انتزاع تنازلات سياسية. لكن توازن الردع المحقق وصلابة موقف سوريا ووقوف حلفائها إلى جانبها، اجهضت محاولة الابتزاز تلك، فكان التفاهم على نزع السلاح الكيميائي السوري وإحياء المسار الدبلوماسي. حقق العدوان الذي لم يحصل مجموعة من النتائج. أُولاها وأبرزها نجاح موسكو في اختبار التزام تحالفاتها ووعودها. وما يجري حالياً في الميدان السوري والأروقة الدولية خير دليل. وثانيتها، إدراك الجميع أن إيران وحلفاءها «لا يمزحون» في الموضوع السوري، وأن الحكاية بالنسبة إليهم قصة أمن قومي ومصالح استراتيجية ومقاومة وقناعات إيديولوجية مبدئية. وثالثتها، قبول الغرب بدفع ثمن من خلال تهميش الدورين السعودي والتركي، مقابل حفظ ماء الوجه عبر «التفاهم الكيميائي». بدت العودة إلى المسار السياسي واضحة لجهة أنها تحصل وفق الخطوط العامة الثابتة التي حددتها سوريا وحلفاؤها. وهي الثوابت التي يحاول الغرب الالتفاف عليها، عبر السعي إلى تحقيق أهداف الحرب على سوريا، ولكن عبر صناديق الاقتراع. عبر اللاجئين الذين بات يُنظر إليهم على أنهم ذخر يبحثون عن آليات تساعدهم من خلاله على ضمان إسقاط الرئيس السوري بصناديق الخارج.




عرض رمضان

آخر العروض المتكاملة جاء في شهر رمضان الماضي من طريق دولة أوروبية وقدم مباشرة إلى دمشق. كان ينص على إدارة الرئيس بشار الأسد لمرحلة انتقالية تشكل خلالها حكومة يكون لنظامه فيها الوزارات الأمنية ومعها وزارة العدل، على أن تتولى المعارضة رئاسة الحكومة ووزارة الخارجية وبقية الوزارت. ويفترض، بحسب هذا العرض، أن تتولى هذه الحكومة مهمة إعداد دستور جديد للبلاد ينبثق منه نظام سياسي نصف رئاسي ونصف برلماني، أقرب في تركيبته إلى فرنسا اليوم، يُنتخب في خلاله رئيس الجمهورية مباشرة من الشعب لمدة اربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، مثله مثل أعضاء البرلمان. ولكن على أن يحاكي النظام الفدرالي في الولايات المتحدة ما يراعي الحساسيات المناطقية والمذهبية والعرقية. وتتولى تلك الحكومة إنتاج قانون انتخابي تُجرى وفقه انتخابات برلمانية ورئاسية ينبثق منها رئيس جديد للبلاد. وحمل الاقتراح شرطاً بألا يترشح الرئيس الأسد لتلك الانتخابات، وإن أعطي الحق بترشيح من يختاره هو لهذا المنصب، مع ضمانات ببقائه وعائلته في سوريا من دون التعرض لهما بأي شكل من الأشكال وفي أي وقت من الأوقات.
كان الجواب على هذا الطرح بـ«لا» قاطعة، صدرت من جانب أكثر من جهة. الأسد أكد لكل من يعنيهم الأمر أنه غير متمسك بمنصبه، لكنه في الوقت نفسه لن يهرب من المسؤولية. قالها بوضوح، للحلفاء والأصدقاء والمقربين: فليقل لي الشعب السوري إنه لا يريدني وأغادر الرئاسة فوراً، لكنني لن أقبل أن أهرب من المعركة أو أن أخون شعبي وبلدي. إيران رفضت مبدأ أن يطرح هذا الأمر على أنه شرط. برأيها، قضية كهذه تترك للرئيس السوري وللشعب السوري ليقررا المناسب بحسب الظروف مع التشديد على قرار إيران بـ«الدفاع عن سوريا وعن الأسد وكأنها تدافع عن شوارع طهران».