رام الله | في غضون ساعات قليلة، تحوّلت الأنظار من أقصى شمال الضفة إلى جنوبها. في مدينة قلقيلية شمالاً، يستدرج المواطن نضال إعمر الطيار في سلاح الجو الإسرائيلي، تومر خزان، إلى أرض خلاء، وهناك يقتله تمهيداً لمبادلة جثّته بإطلاق سراح أخيه الأسير؛ يأخذ نضال المبادرة منفرداً، لكن سرعان ما يصبح مصيره مثل مصير أخيه.


وفي الخليل جنوباً، ووسط الاشتباكات التي تحدث بوتيرة يومية بين جنود الاحتلال وأهالي المدينة، يُطلق قناص فلسطيني النار على الجنود المتمركزين في المكان، فيقتل أحدهم ويصيب آخر، تثور ثائرة قوات الاحتلال فتغلق المدينة وتشن حملة اعتقالات واسعة، دون أن تفلح في العثور على «قناصها المجهول».
تتبنى «كتائب شهداء الأقصى ـ فرسان الجليل» التابعة لحركة فتح عملية قلقيلية. يتفاءل البعض بعودة زمن العمليات النوعية للفصائل، وانعتاق «المارد الفتحاوي» من قمقم سلطته، لكن تصبح مصداقيتها على المحك في اليوم التالي، عندما تصدر بياناً آخر تتبنى فيه عملية الخليل، بعدما تبنتها كتائب «العاصفة» التابعة لحركة فتح ــ الانتفاضة المنشقة عن حركة فتح.
يتحدث مسؤول أمني إسرائيلي للإذاعة الثانية عن استمرار التنسيق الأمني بين السلطة وإسرائيل للقبض على «القاتل» في الخليل، ويتبرأ والد منفذ عملية قلقيلية من فلذة كبده قائلاً بلا تردد لمذيع القناة العبرية: «ابني قاتل ويستحق القتل». لا يهم. المهم هو أن الشباب الفلسطيني بات قادراً على أخذ المبادرة بعيداً عن مناكفات الفصائل وحسابات الأحزاب الضيقة، وأنّ جنديين قُتلا في أقلّ من أربع وعشرين ساعة، في مشهد لم يحدث منذ الانتفاضة الثانية، التي تحلّ ذكراها يوم الجمعة القادم.
لا يزال الغموض يلفّ عملية الخليل، رغم حالة الهوس الأمني التي وصلت حدّ اعتقال قوّات الاحتلال مسنّاً على مشارف المئة من عمره، بحثاً عن بندقيّته العثمانية. لم تتضح هوية «قناص الخليل المجهول» حتى الآن، كما لم يتمّ التثبت بعد من بيانات الفصائل التي زعمت مسؤوليّتها عن العملية.
وسط ذلك، يقرّ خبراء عسكريون في جيش الاحتلال أن القناص كان محترفاً، وأنه نفذ العملية بنجاح تام في مراحلها الثلاث: البحث عن الموقع المثالي، واختيار الهدف، والانسحاب الآمن؛ اختار القناص المجهول جنديّاً يقف في منطقة مفتوحة، كي لا ترتطم الرصاصة في أي ساتر خلفي. تبقى النقطة السوداء في العملية هي المناكفات الحزبية، ومصداقية الفصائل التي أصبحت على المحك بعد إصدار بيانين متعارضين في أقل من ساعة، من قبل فصيلين بينهما تاريخ طويل من الخلافات السياسية.
هي ظاهرة سلبية وسمت حتى الانتفاضة الثانية، وكانت أحد أهم عوامل إجهاضها. غير أن اتساع حجم المواجهات خلال الشهر الماضي، لا سيما في مخيمات الضفة الغربية والقدس المحتلة، قد يشي بنتيجة مشابهة. وسط حالة الغليان تلك، يطلق مجموعة من الشباب يطلقون على أنفسهم اسم «ائتلاف شباب الانتفاضة»، دعوةً إلى التعبئة والتظاهر نصرة للمقدسات يوم الجمعة القادم، الذي يصادف ذكرى الانتفاضة الثانية، ينشر الائتلاف تسجيلاً مصوّراً فيلقى تفاعلاً كبيراً في وسائل التواصل الاجتماعي. يظهر شاب في التسجيل وهو يدعو إلى المواجهة مع الاحتلال في كافة مناطق التماس، على وقع أغنية جوليا بطرس، يا ثوار الأرض، التي تعيد إلى الأذهان ذكريات الانتفاضة الثانية.
رغم الاختلافات الفصائلية، غير أن المرحلة الراهنة تشهد إجماعاً على رفض المفاوضات، تجسّد ذلك بإطلاق مجموعة من الفصائل حملة شعبية ضد المفاوضات، في مؤتمر صحافي عقدته في رام الله، وشاركت فيه جلّ أحزاب منظمة التحرير.
رفض العملية التفاوضية جاء أيضاً على لسان شخصيات رفيعة في حركة فتح، مثل عضو لجنتها المركزية عباس زكي، الذي أكد على عقم خيار المفاوضات، داعياً إلى «الكفاح والإصرار على الثوابت الفلسطينية»، كما أن بعض الشخصيات التي شاركت في مفاوضات أوسلو أبدت، ولو بخجل، ندماً على التوقيع على الاتفاق، مثل ياسر عبد ربه، وأحمد قريع. حتى أن كبير المفاوضين الفلسطينيين، صائب عريقات، أبدى تذمّره من عدم «التزام إسرائيل بتعهداتها». لكن كل ذلك لم يكن كافياً لدى القيادة الفلسطينية كي توقف المفاوضات، أو تعلقها ولو ليوم واحد، خصوصاً بعدما استشهد ثلاثة شبان في قلنديا، أو أن تراجع «شرعية» خياراتها إذ تتجاوز إجماع فصائل المنظمة، أو أن تغير في سياستها، وفي استراتيجيتها التي يبدو أنها أصبحت تقتصر على تحويل «حياة الفلسطيني إلى مفاوضات».
سبعة شهداء سقطوا منذ انطلاق المفاوضات قبل شهرين، جلّهم من المخيّمات، التي انطلقت منها شرارة الانتفاضة الأولى، وكانت أيضاً الرقم الأصعب على الاحتلال في الانتفاضة الثانية. تكفي التضحيات التي سطّرها مخيم جنين؛ المخيم الذي عاد اسمه إلى الواجهة بعد استشهاد ابنه، إسلام الطوباسي مطلع الأسبوع الحالي. الحادثة التي مهّدت لعمليات عسكرية محدودة على حاجز الجلمة القريب، قبل أن تقمع أجهزة السلطة غضبة أبناء المخيم، وتمنعهم من الوصول إلى مناطق التماس. مخيم جنين ليس وحده الذي لا يزال يحتضن جمرة الثورة؛ ففي مخيم قلنديا استشهد ثلاثة فلسطينيين قبل فترة قريبة، ولا تزال تنطلق منه المواجهات مع قوات الاحتلال على حاجز قلنديا القريب، وفي مخيمي العروب والفوار في الخليل، تجري اشتباكات شبه يومية مع قوات الاحتلال القريبة من المكان، بعيداً عن أعين الإعلام، وقوات السلطة كذلك.
المؤشرات الراهنة والعوامل المحيطة لا تترك أمام الفلسطينيين خياراً آخر؛ المسجد الأقصى اليوم يشهد اقتحامات يوميّة، وهناك دعوات يهودية لمسيرات مليونية فيه، بالتزامن مع ذكرى اقتحامه من قبل آرييل شارون التي مهّدت للانتفاضة الثانية، كما أن وتيرة الحراك الجماهيري داخل أراضي الـ 48 آخذة بالتصاعد ضد إسرائيل، لا سيما في النقب والمثلث، بالتزامن أيضاً مع ذكرى هبّة الأول من أكتوبر، التي راح ضحيتها 13 شهيداً من فلسطينيي الأراضي المحتلة، أمام هذه المعطيات تصبح الانتفاضة الثالثة مسألة وقت ليس إلا، ولعلّ يوم الجمعة القادم يكون موعداً لولادة عنقاء الثورة من رمادها.




السلطة كابح للانتفاضة

تغلّف السلطة كلّ الخيارات التي تبعت اتفاقية أوسلو بمسمّى «المشروع الوطني»، وبذلك يصبح كل معترض عليها خارجاً عن هذا المشروع. وتحت هذا الشعار أيضاً، تمّت تصفية المقاومة الفلسطينية في الضفة، بما فيها كتائب شهداء الأقصى، لتصبح أجهزة السلطة هي القوة الوحيدة في الضفة، ويصبح كلّ سلاح في غير يديها خارجاً على القانون. لقد قمعت السلطة كل الفعاليات المناهضة للمفاوضات مستقويةً بقاعدتها الشعبية الواسعة التي تتبع حركة فتح، وجريان الرياح الإقليمية بما تشتهي سفنها. السلطة تملك المال، والإعلام، وتستطيع التلاعب في آليات الخطاب، فتارةً تلبس لباس التقوى لتتهم معارضيها بالفجور، وشتم الذات الإلهية، وتصفهم بالخواجات عندما يتعلق الأمر بمسيرة للجبهة الشعبية رافضة للمفاوضات. وعندما يتعلق الأمر بـ«حماس»، تطلق اتهامات من قبيل «تجار الدين» متّهمةً إياهم بالتطرف، ثمّ لا يجد وزير أوقافها حرجاً في إصداء فتوى «للثورة على حماس»، بينما يحرّم الخروج على الرئيس في الضفة. هي دائماً ما تجد في الخصومة السياسية فرصة للهروب من مواجهة الواقع، وتعليق الأزمات على شماعة الآخرين؛ فالبلبلة التي تجري في الضفة بعد مقتل جنديين تتحملها «حماس»، كما يقول المتحدث باسم حركة «فتح»، أسامة القواسمي، معتبراً أن «صدقية حماس في الشارع الفلسطيني ضربت ضربة قوية بعد كشف مخططاتهم الحقيقية وتسترهم وراء الدين والمقاومة، إضافة إلى أن «حماس» إذا أرادت أن تغير الوضع وتسعى للمقاومة فعليها أولاً أن تقاوم في قطاع غزة لا أن تحافظ على الهدنة مع إسرائيل بقوة السلاح».