الخرطوم | بدت الحيرة على ملامح أحد سائقي المركبات العامة في العاصمة السودانية الخرطوم لدى علمه للمرة الأولى بأن سعر المحروقات ارتفع بعد رفع الدعم الحكومي عنها. أطرق السائق بصره ناحية الإسفلت وتأمل لبرهة، ثم رد على محدّثه كأنما وجد عنصر المعادلة المفقود في تحرير الحكومة لأسعار المحروقات، قائلاً «معنى ذلك أن أسعار تعرفة المواصلات ستزيد»، لكن قرار تطبيق الخطة الحكومية برفع الدعم عن المحروقات والقمح، لاقى ردود فعل غاضبة وسط السودانيين فسقط شاب بالرصاص.

بيد أن السائق قالها بارتياح، إن سعر صفيحة البنزين أصبح بـ(21) جنيهاً سودانياً، والغازولين بـ(14) جنيها، كأنه أزاح العبء عن كاهله ليقذف به على كاهل المواطن الذي انبرى للدفاع عن حقوقه.
الا أن فتاةً في منتصف عقدها الثاني كانت تجلس خلف السائق مباشرةً، تساءلت في لهجة حادة: «والمواطن المسكين كيف سيتحمل الزيادة في الأسعار؟».
وسط هذا الجدل، باتت الحكومة السودانية تردد أن الفارق الذي سيحدثة رفع الدعم الحكومي عن المحروقات سيعود الى المواطنين، وذلك في شكل زيادة في الرواتب، وإعانات مالية عبر ديوان الزكاة للفقراء. وبدا أن الجميع يدورون في دائرة مفرغة.
وفيما ردد مسؤولون حكوميون انه في حال عدم اعتماد تلك الإجراءات فإن الدولة السودانية ستنهار، طبقت الحكومة السودانية اجراءاتها نهاية الاسبوع على نحو رسمي، وسط إجراءات أمنية مشدّدة بالقرب من محطات الوقود، تحسباً لأعمال عنف مناهضة.
في الوقت نفسه أُعلنت في السودان زيادة في تعرفة المواصلات بنسبة 25 في المئة، بالتزامن مع قيام السلطات بحملة اعتقالات واسعة في صفوف المعارضة عشية تطبيق القرار.
لكن في الوقت نفسه، لم تشفع الاجراءات الحكومية بزيادة الحد الأدنى للأجور وصرف نصف راتب المقررة ابتداءً من مطلع شهر تشرين الأول المقبل، في إخماد تلك الاحتجاجات، التي يرى البعض أنها معالجات جزئية للأزمة.
النتيجة كانت مقتل أحد المشاركين في التظاهرات التي انطلقت أول من أمس احتجاجاً على زيادة أسعار المحروقات، بنيران أُطلقت عليه من سيارة مدنية في «ودمدني» عاصمة ولاية الجزيرة (وسط)، حسب بيان الشرطة.
كذلك تظاهر المئات من طلاب المدارس في منطقة الثورة في مدينة أم درمان غرب العاصمة، على ضفة نهر النيل.
وأكد شهود عيان لوكالة «فرنس برس»، أن محتجين سودانيين على زيادة أسعار المحروقات نهبوا واحرقوا أمس مقر حزب المؤتمر الوطني الحاكم، في منطقة «أمبده» في أم درمان.
وأغلق متظاهرون غاضبون عدداً من الطرق الرئيسية في أم درمان (كبرى مدن العاصمة) وأحرقوا إحدى الحافلات التابعة لشركة مواصلات ولاية الخرطوم، احتجاجاً على زيادة أسعار الوقود والسلع.
واستيقظت أحياء أم درمان (مدينة الثورات) على دوي أصوات قنابل الغاز المسيل للدموع، فيما أُغلِقت المحال التجارية وشُلَّت حركة المواصلات تماماً.
وحسب شهود عيان، فإن المحتجين أضرموا النار في عربة تتبع للأجهزة الأمنية.
وتعطّلت حركة المرور تماماً، كما شوهد انبعاث النيران من إطارات السيارات في شوارع رئيسية وسط دعوات من ناشطين بعدم اللجوء الى احراق الممتلكات العامة والخاصة. وفي الأثناء دعا ناشطون على صفحات التواصل الاجتماعي الى رفض عمليات العنف، والاتجاه الى التظاهرات السلمية لاطالة أمد الاحتجاجات.
وسط هذه الاجواء، قال شهود عيان، إن الموقف بات خارج سيطرة السلطات الأمنية عقب اغلاق شوارع رئيسية في حي «الشنقيطي»، كما بث ناشطون على الانترنت دعوات إلى تظاهرات عامة في ساعات المساء لارهاق الشرطة، وسط مخاوف من انقطاع خدمات الانترنت وحجب مواقع التواصل الاجتماعي.
من جهتها، استنجدت حكومة ولاية الجزيرة (وسط)، بالمركز لإمدادها بمزيد من القوات تحسّباً لاتساع نطاق الاحتجاجات، وحتى تتمكن من استعادة سيطرتها على المدينة الاستراتيجية، حيث شوهدت أرتال من المدرعات التابعة للشرطة والجيش في طريقها الى «ودمدني» أمس لاعادة السيطرة على المدينة.
وفي الوقت الذي أكد فيه وزير الاعلام السوداني المتحدث الرسمي باسم الحكومة احمد بلال عثمان، عدم لجوء السلطات الى استخدام القوة المفرطة لمكافحة الاحتجاجات، حذّر من مظاهر التخريب وإحراق المنشآت العامة والخاصة.