أجواء ما قبل الاتفاق الروسي ــ الأميركي حول وضع السلاح الكيميائي السوري تحت المراقبة الدولية، وتحديداً الحراك والموقف الإسرائيليين، تجاه الدفع للعدوان ومن ثم الامتناع عنه، مناسبة لدراسة موقع وموقف تل أبيب من حالة التوثب الأميركي الأخيرة، الذي كان يفترض أن يترجم تدخلاً مباشراً بهدف تغيير موازين القوى الداخلية، وأين تقف من أطرافها المتحاربين. وهي مناسبة، أيضاً، لكشف حدود القدرة الإسرائيلية الفعلية على تحمل أكلاف عملية عسكرية خارجية ضد سوريا، وتبعاً لها، الكشف عن حدود هذه القدرة، في تحمّل أثمان حرب قد تشن من قبلها، أو من قبل غيرها، على لبنان.

بات واضحاً أن نظرة تل أبيب للعدوان الأميركي على سوريا، أولاً، كانت تحمل من ناحيتها فرصة كبيرة جداً لتحقيق مصالحها، الأمر الذي دفعها للحث عليه، سواء لدى الإدارة الأميركية أو لدى الكونغرس، بما يشمل تحريك اللوبي الصهيوني في واشنطن، للضغط على أعضاء الكونغرس. مع ذلك، أكدت تسريبات المصادر على اختلافها، ومن ثم الاقرار غير المباشر، بأنّ القيادة الإسرائيلية سارعت إلى تشجيع الإدارة الأميركية على قبول المبادرة الروسية بوضع الأسلحة الكيميائية السورية تحت اشراف دولي، وبحسب تعبير الاعلام العبري «تنفست إسرائيل الصعداء»، بعد أن ابتعدت العملية العسكرية الأميركية، واتضح أنها لن تدفع أثمانها.
ولا جدال بأن العدوان العسكري الأميركي الجدي، والذي يستهدف تقويض قدرة سوريا الاستراتيجية، بما يشمل القدرة الصاروخية البعيدة المدى والأسلحة غير التقليدية، هو مطلب إسرائيلي لذاته، لما تشكله القدرة العسكرية السورية من تهديد استراتيجي على الدولة العبرية. وهو هدف، تزداد الحاجة إليه، ربطاً بالحلف القائم بين سوريا برئاسة الرئيس بشار الأسد، والجمهورية الإسلامية في إيران، العدو الأول للكيان الإسرائيلي، وربطاً بما تشكله سوريا من عمق استراتيجي لحزب الله في لبنان، الذي يعد بدوره، خطراً استراتيجياً على إسرائيل، بحسب توصيفات المؤسسة العسكرية.
يُعد اسقاط النظام في سوريا، أو نزعه من محور المقاومة على الأقل، مطلباً إسرائيلياً قديماً، رأت تل أبيب أن من شأنه إيجاد الحلول لمعظم التهديدات التي تواجهها، بدءاً من احتواء الخطر الإيراني على إسرائيل، وصولاً إلى محاصرة حزب الله، وهذا الرهان بات أكثر الحاحاً، في مرحلة ما بعد فشل حرب عام 2006، أي فشل الخيار العسكري المباشر ضد حزب الله، وسقوط كل الرهانات التي كانت قائمة على إحداث تحول قسري في التوجهات الإيرانية، واجهاض مسار تطورها العلمي والتسليحي والنووي، بل إن الحاجة زادت أكثر، مع انسحاب القوات الأميركية من العراق، والتحاق العراق ــ بمعنى من المعاني ــ بالمحور المعادي لإسرائيل.
ونظّرت تل أبيب طويلاً لسقوط النظام في سوريا، وللفائدة التي ستجبيها جراء ذلك. وكان المعيار الأساسي الذي قاربت فيه الحدث السوري، هو تأثيره السلبي أو الإيجابي، على أولويتها القصوى، والمتمثل بتقويض النظام في إيران والحد من تهديده، وتحديداً ما يرتبط بالقدرات النووية الإيرانية. بل لم تُخفِ إسرائيل موقفها، وأعلنت مراراً أنها تفضل سيطرة تنظيم القاعدة على سوريا، إن كان الخيار بينه وبين نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وهو ما صدر أخيراً على لسان قائد المنطقة الشمالية اللواء يائير غولان، وقبله السفير الإسرائيلي في واشنطن مايكل أورن، وقبلهما عندما أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعالون، خلال لقائه مع رئيس هيئة أركان الجيوش الأميركية مارتن دمبسي، بأن الأولوية الإسرائيلية العليا منع محور المقاومة من الانتصار في سوريا.
جاءت «واقعة» الكيميائي السوري، والتهديد الأميركي بالعدوان، ليختبر قدرة ونوايا إسرائيل، أمام أعدائها وأمام حلفائها. بين عدوان محدود، قدرت تل أبيب ابتداءً أنه لن يجبي منها اثماناً، فسارعت إلى الترحيب به وإن ضمنياً، ورأت أنه سيحقق مصالحها، وبين عدوان تبين لاحقاً أنها ستكون وقوده، حتى ولو كان محدوداً، «فتنسفت الصعداء» بعد أن تبيّن سقوطه.
مع ذلك لم تكن تل أبيب، في أي من الموردين، لترفض العدوان مهما كانت أثمانه، لأن تداعيات الرفض المبني على الخشية من الرد المقابل ومن أثمانه، سيؤثر سلباً بل وكارثياً، على الموقف الإسرائيلي أمام اعدائها وبرمته، بما يشمل تقويض فاعلية التهويل بالعدوان العسكري ضد ساحات التهديد، أي تهويل كان، وفي مقدمتهم إيران، كما أنها ستكون في موقف ضعيف للغاية أمام حلفائها، وتحديداً أميركا، فإن لم تكن لتتحمل أثمان العدوان على سوريا، فهي لن تتحمل بالتأكيد أثمان العدوان الذي تهدد به إيران، وأيضاً الذي تلوح به إسرائيل أمام الاذن الأميركية والغرب، لتدفعه أكثر إلى التشدد في مواجهة البرنامج النووي الإيراني. أي أنّ «أخاك مجبر، لا بطل».
من هنا يمكن التوصل إلى النتيجة التالية: إسرائيل لا تندفع بذاتها، إلى شن عدوان ترى بأنّ أثمانه ستكون مرتفعة، أو أن من شأنها أن تتحول إلى أن تكون مرتفعة، كما أنها لا تدفع غيرها إلى شنّ هذا العدوان، طالما أن أثمانه المقدرة، ستكون مرتفعة عليها تحديداً. هذا ما حصل أخيراً في سوريا، خلال «الواقعة الكيميائية»، وهو المقدر أن يحصل في لبنان، وبالتأكيد سيكون حاضراً أمام أي تهديد أو مواجهة، إسرائيلية أو غير إسرائيلية، ضد إيران.
من هنا أيضاً، يمكن التأكيد، وإن بمفعول رجعي، على أسلوب ومضمون الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة في سوريا، حيث سعت تل أبيب إلى الفصل ما بين ساحتي الاستهداف والأهداف: ساحة النظام السوري وأهدافه، وساحة توريد السلاح الاستراتيجي إلى حزب الله في لبنان. وحتى الساعة مرّر النظام السوري وحلفاؤه الضربات الإسرائيلية، التي لم تكن تعني، بحسب قراءتهم لأهداف الضربات، سعياً نحو اسقاط النظام أو تقويض موقفه القتالي ضد المعارضة، بمعنى تغيير ميزان القوى ميدانياً. لكن هل سينسحب ذلك على الآتي؟ خاصة في ظل تموضع ميداني جديد للاطراف المتقاتلة في سوريا، وفي ظل تراجع فرص التدخل العسكري الخارجي في المرحلة الحالية. أم أن قراءة محور المقاومة لأي اعتداء من هذا النوع ستختلف وبالتالي سيختلف معها الموقف العملاني. الأيام والأشهر المقبلة ستكشف ذلك.