برلين | تسبّبت رسالة استجواب، تقدّم بها حزب اليسار المعارض إلى وزارة الاقتصاد الألمانية، بتفجير فضيحة من العيار الثقيل قبل الانتخابات النيابية المقررة يوم الأحد المقبل. ففي معرض ردها على الاستجواب، أقرّت وزارة الاقتصاد بأنّ ألمانيا سلمت الحكومة السورية زهاء 11 طناً من المواد الكيميائية الضرورية لإنتاج غاز السارين، وقد سلمت هذه المواد ما بين عامي 2002 و2006، وذلك في عهد حكومة المستشار السابق غيرهارد شرودر، وأيضاً في الولاية الأولى للمستشارة الحالية أنجيلا ميركل، والتي كانت حكومة «ائتلاف» الحزبين الكبيرين: الحزب الديموقراطي المسيحي والحزب الاشتراكي الديموقراطي.

وأظهر رد وزارة الاقتصاد أن المواد كانت عبارة عن 90 طناً من مادة فلورايد الهيدروجين وحوالى 12 طناً من مادة ثنائي فلورايد هيدروجين الأمونيوم.
لكن الوزراة أكدت أن كل البيانات الموجودة لديها تثبت أن هذه المواد استخدمت لأغراض سلمية. وبينما رفض وزير الخارجية الألمانية، غيدو فيسترفيله، التعليق على الموضوع، معتبراً أن عملية التصدير حدثت قبل مشاركته في الحكومة، أعلنت المستشارة ميركل أنّ المواد أرسلت لأغراض مدنية، وتم التأكد من قبل حكومتها وحكومة شرودر قبلها من أن المواد استخدمت لأغراض مدنية فعلاً.
ويتوافق ذلك مع تأكيد خبراء الكيمياء أن المواد قابلة للاستخدام المدني أيضاً، وإن كانت ضرورية لإنتاج غاز السارين، لكنها جزء من تركيبته فقط.
من جهته، رفض النائب الألماني عن حزب اليسار شتيفن بوكهان الاكتفاء بهذه الإجابة، وشكّك بصحتها، معتبراً أن الحكومتين السابقتين كانتا تعلمان أنهما تصدران مواد يمكن استخدامها لأغراض عسكرية إلى دولة لديها برنامج تسلح كيميائي، ولم توقع على اتفاقية الحد من انتشار الأسلحة الكيميائية واستخدامها. وأضاف إنّه «لا يجوز تصدير مواد من هذا النوع إلى مناطق الأزمات في العالم، كما لا يجب تصدير دبابات إلى السعودية، لكن يبدو أن المصالح التجارية والكسب المادي تتفوق على الأخلاق والمبادئ لدى هذه الحكومات».
واعتبر بوكهان أنّ الحكومة تدرك مخاطر هذه المواد، وإلا لما كانت حظرت تصديرها إلى سوريا اعتباراً من أيار 2011، عندما فرضت عقوبات أوروبية على دمشق. ورداً على سؤال حول توجيه وزير الخارجية فيسترفيله أصابع الاتهام مباشرة إلى حكومة الرئيس السوري بشار الأسد بإعطاء الأوامر باستخدام السلاح الكيميائي وتضارب ذلك مع ما سرب عن تقارير الاستخبارات الألمانية، استغرب بوكهان تصريحات فيسترفيله، معتبراً أن ذلك يستدعي إجراء تحقيق لإثبات المسؤولية، ولا يمكن إصدار الأحكام قبل ذلك.
وكانت بعض وسائل الإعلام الألمانية قد كشفت أن رئيس جهاز الاستخبارات الألمانية، غيرهارد شيندلر، أكد في جلسة سرية أمام البرلمان الألماني، أجريت مطلع الشهر الجاري، أن سفينة «أوكر» الألمانية للتجسس الموجودة قبالة السواحل السورية التقطت مخابرات هاتفية ولاسلكية (أشارت «الأخبار» إلى دور هذه السفينة في الأزمة السورية في العدد 1963 في 23 آذار الماضي) أظهرت أنّ الرئيس السوري بشار الأسد يرفض مبدأ استخدام الأسلحة الكيميائية، وقد تم تسجيل عدد من المحادثات يطلب فيها قادة عسكريون من الأسد السماح باستخدام السلاح الكيميائي، لكنه كان يرفض ذلك دائماً.
وأفاد شيندلر بأنه يعتقد أن الهجوم ربما يكون قد نفذه بعض الضباط بقرار فردي من دون ورود أوامر بذلك، وتوقع رئيس جهاز الاستخبارات الألمانية أنّ الأسد سيبقى طويلاً في السلطة، بغض النظر عن حدوث ضربة عسكرية أو لا.
وتعليقاً على هذه التسريبات، أعرب النائب شتيفن بوكهان، وهو عضو في لجنة الرقابة البرلمانية على عمل جهاز الاستخبارات الألمانية، أنه لا يستطيع تأكيد هذه التسريبات أو نفيها لأن وقائع هذه الجلسات تظل سرية، لكنه كشف النقاب عن أن الجيش السوري استخدم السلاح الكيميائي مرات عدة، لكن بكميات مخففة لدفع مقاتلي المعارضة إلى الخروج من مخابئهم وقتلهم بالأسلحة التقليدية، ولم يستبعد فرضية أن يكون خطأ ما قد وقع في تكثيف كمية الغاز المستخدم، ما أدى إلى المجزرة
الأخيرة.
لكنه تابع إنّه في مطلق الأحوال «فإن الأنظمة عادة تتحمل المسؤولية، أقله أخلاقياً، عن تصرفات كهذه حتى لو نفذها ضباط بمبادرة
فردية».
وتضمنت التسريبات حول جلسة الاستماع البرلمانية لرئيس جهاز الاستخبارت الألمانية، أن أعضاء اللجنة البرلمانية استمعوا أيضاً في الجلسة نفسها إلى رئيس أركان الجيش الألماني فولكر فيكر، الذي أطلع أعضاء اللجنة على أن «الجيش السوري الحر» فقد دوره الريادي في صفوف المعارضة السورية المسلحة، وأن الجماعات المسلحة لم تعد تتبع لقيادة موحدة.
وأشار إلى تعاظم نفوذ تنظيم القاعدة على الأرض، وتراجع حجم الانشقاقات عن الجيش النظامي، وخاصة بعد انتشار أخبار عن إعدام المعارضة المسلحة المنشقين فور لجوئهم إليها لانعدام ثقتها بهم، وتخوفاً من أن يكون انشقاقهم محاولة لاختراق
المعارضة.