مطلع تسعينيات القرن الماضي، سافرت عائلتان سوريتان إلى الإمارات طلباً لحياة أفضل. الأولى من درعا والثانية من طرطوس. ربا العائلتين مدرسا لغة انكليزية، يقولان إن سوريا علّمت الإمارات وكل الخليج. تعارفت العائلتان هناك بفعل زمالة الرجلين ونشأت بينهما صداقة تطورت بمرور سنين سبع، وتوطدت بشكل خاص بين باسل وماجد (اسمان مستعاران) اللذين كانا في سن متقاربة ورفيقين في المدرسة ذاتها.


لم تمتلك عائلة ماجد سيارة، فكانت سيارة أبو باسل سيارتهم. دعوات متبادلة إلى الغداء، وفي شهر رمضان إلى الإفطار. سبع سنوات كانوا فيها عائلة واحدة، في الإمارات كانوا سوريين فقط. سبقت عائلة ماجد عائلة صديقه في العودة إلى سوريا لتلتحق بها الأخرى بعد ثلاث سنوات. استمر التواصل هاتفياً بين العائلتين، وشخصياً بين باسل الذي يدرس الطب البشري في دير الزور، وماجد الذي يدرس في اللاذقية. التقيا آخر مرة صيف 2010 في احد شاليهات طرطوس، وكانت السهرة ودية. آذار2011. اندلعت الشرارة من درعا، أدت الاشتباكات في معربة (ريف درعا) إلى تدمير بيت أبي باسل، فغادروا جميعاً إلى الشارقة من جديد. حذف باسل ماجد من قائمة أصدقائه على «فايسبوك». يروي ماجد لـ«الأخبار»: «فوجئت بحذفه لي خصوصاً أنّه قال في آخر تواصل بيننا أنّه رغم الاختلاف في الرأي في ما يجري داخل البلد سنبقى أصدقاء». ليست هذه إلا المفاجأة الأولى، ما تلاها كان مذهلاً وصاعقاً على ماجد وعائلته. انضم باسل الطفل المهذب الخلوق، والشاب الداعم للحراك المعارض للنظام إلى «كتائب السنة في الساحل» التابعة لـ«لواء الإسلام» إبان معركة «عائشة أم المؤمنين»، التي هدفت حسب مقاتليها إلى «تحرير الساحل من الكفار»، الذين يصفهم باسل بأبشع الأوصاف. بفعله هذا أتى باسل لقتل صديقه (القديم)، وكل عائلته وأصدقائه وجيرانه. يحتار ماجد في وصف شعوره، لا يجد الكلمات المناسبة للتعبير عن صدمته، فيبتسم ابتسامة حزينة. ويتابع حديثه قائلاً: «حاولت أن أسأله عن السبب الذي دفعه لاختيار هذا الطريق، لكنني لم ألقَ جواباً». على صفحته على «فايسبوك» يضع باسل بدل صورته الشخصية ومكان صورة الغلاف صورتين لشاب ناحل أبيض البشرة في مثل عمره، ذي لحية وشعر طويلين، عرّف عنه أنه أبو معاوية قائد الكتائب التي يقاتل تحت لوائها. يطلب له الرحمة والمغفرة لأنه استشهد. يضع أيضاً صوراً أخرى له مع مقاتلين آخرين، وهم يتناولون الإفطار في بلدة سلمى في ريف اللاذقية الواقعة تحت سيطرة المعارضة، إضافة لصور أشخاص قتلى بوجوه مشوهة بعضهم من رفاقه وآخرون من سكان القرى التي تم الاعتداء عليها، ومنهم الشيخ بدر غزال الذي خطف ثم أعدم. في كتاباته نجد أنفسنا أمام شاب ذكي، متابع لأخبار العالم، له رأيه الخاص في ما يحصل. يتحدث عن «جمال الإخوان المسلمين وهم مدججون بالسلاح»، ينتقد السلطة الفلسطينية لإجرائها مفاوضات مع الإسرائيليين على الرغم من استمرارهم في بناء المستوطنات، يصل إلى بورما ليبشر المسلمين أن «الروهينجا بدأوا يعدون لثورتهم» مع صورة لمسلحين معصوبي الجبين من تلك البلاد يصلّون في غابة وهم بالزي العسكري وأسلحتهم أمامهم. ويحتج على السجال المثار بين زعيم «القاعدة» أيمن الظواهري وزعيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» أبو بكر البغدادي، مشتكياً من طريقة حلّ مشاكل المسلمين وإثارتها بالبيانات التي تصل للإعلام بدل حلها داخل البيت الواحد. باسل معجب بأسامة بن لادن، وقد كتب «نظريات بن لادن تثبت اليوم أنها الأقوى». يطلب الرحمة «للشيخ». حاولت «الأخبار» أن تتصل بباسل لاستيضاح موقفه وسؤاله عن سبب التغير والانقلاب الذي طرأ على حياته في السنتين الأخيرتين، لكنه تجاهل الإجابة وتابع نشاطه على «فايسبوك»، مبشراً «بنفور» دفعة جديدة من «المهاجرين» من المغرب العربي والأردن وفلسطين، إضافة إلى طالبان عربيان كانا يدرسان في أوكرانيا. كذلك حاولت «الأخبار» الاتصال بشقيقه الموجود والعائلة في الإمارات لسؤاله عن موقفهم من فعل باسل، لكن أيضاً دون تلقي جواب.
نحن أمام شاب متعلم عاش خارج سوريا وداخلها في راحة، ومع ذلك ترك كل شيء واختار حياة جديدة قد تكلفه حياته.