اللقاء الأول بين جون كيري وسيرغي لافروف كان محدداً مساء الخميس في جنيف، على مائدة العشاء. الطبق الأساسي: سمك وسلطة. بعد استراحة قصيرة من تعب السفر قبيل العشاء المرتقب، اجتمع وزير الخارجية الأميركي مع فريق الخبراء المرافق له في الفندق، وتهيّؤوا للقاء الروس. اتفق فريق كيري على خطوط عريضة يجب التمسّك بها مهما كان الردّ الروسي وهي: تحديد جدول زمني لتدمير الأسلحة الكيميائية السورية، وتحديد بعض التفاصيل المتعلقة بها، وإيجاد طريق تقود الى الأمم المتحدة وتأليف صيغة يمكن بيعها للعالم وللولايات المتحدة وللكونغرس. حصّن الوفد الأميركي نفسه جيداً لمواجهة الوفد الروسي وانطلق كيري لعقد مؤتمر صحافي متفق عليه مسبقاً على أن يليه لافروف في مؤتمر ثانٍ، وبعدها يتوجّه الجميع الى مائدة العشاء.


تحدث كيري للصحافيين مطوّلاً عن أهداف الولايات المتحدة من هذا الاجتماع وطموحاتها وتطلعاتها، وانتظر الوفد الأميركي كلام لافروف لكي يلتقطوا الإشارات الروسية الأولى قبل المباشرة بالكلام الجدّي. المفاجأة الأولى: حديث لافروف للصحافيين كان مقتضباً.
لم يستطع الأميركيون استشعار أي ذبذبات تستبق الجلوس وجهاً لوجه أمام الروس. وبينما كان الوزيران يتناولان العشاء، جلس الفريقان الأميركي والروسي في اجتماع أول لتبادل المعلومات. وبعد ساعات، خرج الفريق الأميركي يائساً.
تحدّث هؤلاء عن «تباعد كبير مع الروس في المعلومات حول كمية الأسلحة الكيميائية التي يملكها النظام السوري» وعن «اختلاف في التقديرات» وأجمعوا على أنهم في حاجة ماسّة إلى تغيير النهج المعتمد بينهما. «لن ينجح الأمر إذا استمرينا في هذا النهج» قال الأميركيون واستدعى الطرفان ضبّاط الاستخبارات التابعين لهما لكي يوضحوا الاختلاف في المعلومات ويخلصوا الى حلّ.
وطوال ساعات عديدة خلال ليلة الخميس ــ الجمعة بحث الفريق الأميركي المعلومات التي قدّمها الروس واستنتجوا أنه «بما أن لافروف قدّم الأفكار الروسية في وثيقة صغيرة من صفحتين فهذا سيتيح لنا فرصة الامساك بزمام الأمور وقيادة المباحثات».
نام الوفدان على اختلافات كبيرة في المعلومات والنهج واستفاقا على جلسة صباحية حاولا فيها تقليص التباعد حول الترسانة الكيميائية السورية بينما كان يعقد اجتماع بين كيري ولافروف والأخضر الإبراهيمي. وخلال النهار، اتفق أعضاء الوفدين على وضع إطار زمني ينصّه الأميركيون بينما عمل التقنيون على سدّ الثغر العالقة بين الطرفين، فاتفق الجميع على حجم الترسانة ومواقعها الجغرافية لكن الاختلاف بقي حول طريقة تجميعها وتدميرها، والنقطة الأهمّ العالقة بقيت رفض روسيا أي إشارة الى احتمال اللجوء الى مجلس الأمن لاستخدام القوة العسكرية في حال أخلّ النظام السوري بالاتفاق.
بعد استراحة الغداء، انتشرت شائعات بأن الروس سيغادرون عند الساعة العاشرة مساءً.
زاد الضغط على الأميركيين الذين كانوا يحضّرون طوال الليل صيغة يدرسون فيها المواد التي قد تنجح في تجنّب الفيتو الروسي في مجلس الأمن. لا يمكن للروس أن يغادروا الليلة وهناك نقاط عديدة ما زالت عالقة. هذا الأمر دفع كيري للتوجه نحو لافروف قائلاً له: «أنا وفريقي مستعدون للبقاء هنا مهما تطلّب الأمر، سأستمر بالنقاش طوال الليل وسأستيقظ باكراً جداً في اليوم التالي، إذا احتاج الأمر إلى ذلك». كيري نقل للافروف خبراً إعلامياً يفيد أن المفتشين الأمميين يقولون إنه لديهم إثباتات أن الهجوم الكيميائي حصل في ضواحي دمشق وكان ضخماً، وهم سيرفعون تقريرهم الى مجلس الامن يوم الاثنين.
استمع لافروف الى كلام كيري ومطالبته بتمديد جلسات النقاش، ثم غادر المقرّ الى السفارة الروسية في جنيف «لاستشارة موسكو» كما قال. وبعد عودته من السفارة، أخبر لافروف كيري أنه سيبقى لعقد اجتماع ثانٍ في اليوم التالي (أي السبت).
قدّم الأميركيون يوم السبت نسخة عن الاتفاق حسب الشروط المتفق عليها بين الطرفين، ناقشه كيري ولافروف خلال حديث ارتجالي حصل بين الرجلين حول حوض السباحة. وافق الروس على الاتفاق بعد النقاش الاخير. صعد كيري الى غرفته ووضع التعديلات اللازمة عليه ثم أرسله الى المعنيين. وبعد إعلان الاتفاق يوم السبت، اتصل الرئيس باراك أوباما بكيري هاتفياً وهنّأه على إنجازه.
تلك هي رواية صحيفة «ذي واشنطن بوست» الاميركية عمّا جرى في جنيف، خلال المحادثات التاريخية الأميركية ــ الروسية التي أنتجت الاتفاق حول عملية تسليم النظام السوري أسلحته الكيميائية وطريقة تدميرها والمهلة الزمنية المطلوبة لإتمام المهمة. كاتبة المقال كارن دي يونغ، نقلت عن مصادر رفيعة في الخارجية الاميركية أن الاتفاق كتبه «بكامله» الفريق الأميركي وقد وافق عليه الروس بعض إضافة بعض التعديلات.
الجمهوريون مشككون
وحول هذا الاتفاق، عبّر بعض أعضاء الكونغرس الأميركي من الحزب الجمهوري أخيراً عن تشكيكهم في إمكان النجاح في تنفيذ اتفاق تدمير الأسلحة الكيميائية السورية دون تهديد جدي باستخدام القوة يضع الحكومة السورية تحت ضغط يحملها على التنفيذ.
وقال النائب الجمهوري مايك روجرز رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب لقناة «سي.ان.ان.» «إذا كان الرئيس أوباما يعتقد مثلي أن القوة العسكرية تساعد على انجاز الحلّ الدبلوماسي فمن الواضح أنهم تخلّوا عن ذلك في الاتفاق وهذا يدعو للقلق».
من جهته، قال السناتور بوب كوركر زعيم الجمهوريين في «لجنة العلاقات الخارجية» بمجلس الشيوخ «أعتقد أننا يجب أن نظل متشككين حتى نرى ما الذي سيتمخض عن الاتفاق».
وأضاف كوركر في تلفزيون «سي.بي.إس.» أن وزير الخارجية الاميركي جون كيري كانت «يده ضعيفة» عندما ذهب الى جنيف للتفاوض على الاتفاق مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف. وقال كوركر إنه «ما من شك» في أن روسيا احتفظت بالقدرة على استخدام حق النقض (الفيتو) لمنع استخدام القوة استناداً الى الفصل السابع «ولذلك ما زال استخدام القوة بطريقة متعددة الاطراف في يد روسيا الى حد بعيد».
أما السيناتور الديموقراطي روبرت منينديز رئيس «لجنة العلاقات الخارجية» في مجلس الشيوخ فشرح أنه «اذا نجح (الاتفاق) فهذا يعني أنهم تخلصوا من الاسلحة الكيميائية من دون استخدام القوة» واذا لم يلتزم الاسد ببنود الاتفاق «فقد عدنا من حيث بدأنا ويكون الاسد قد كسب مزيداً من الوقت في ساحة القتال وواصل البطش بالمدنيين الابرياء».
وفيما عبّر معظم الديموقراطيون عن أملهم بنجاح الاتفاق، قال النائب آدام شيف عضو لجنة الاستخبارات في مجلس النواب «أنا لا أثق بالروس لكنني اعتقد ان هذا الاتفاق خطوة ايجابية للغاية».
(الأخبار)