القاهرة | على مدى شهر، وقبل أيام من فضّ اعتصامي «رابعة العدوية» و«النهضة» وسقوط مئات الضحايا وآلاف المصابين، كان الحديث في مصر يدور حول مستقبل جماعة «الإخوان المسلمين» السياسي ومشاركتهم في السلطة، مع إشارات هنا وهناك إلى مستقبل الوجود الاجتماعي. لكن بعد الأربعاء الدامي، واستعداد كثير من أنصار «الإخوان» للتصدّي للحملة الأمنية بعنف مماثل، وتوحش الشارع المصري ضدّ كل مناصر أو منتم أو متعاطف مع الجماعة، في موازاة موجة من حرق الكنائس والتعدي على ممتلكات أقباط بالجملة من قبل مجهولين؛ كل ذلك وغيره، دفع الى التساؤل حول المستقبل الوجودي لجماعة الإخوان على المستوى السياسي والاجتماعي.

يعزّز هذا التساؤل الاقتراح المقدّم من رئيس الوزراء المصري حازم الببلاوي بحل جمعية «الإخوان» التي أُسّست منذ أقل من عام، لتكون غطاءً قانونياً للجماعة، وهو ما قد يتبعه حكم بحل حزب «الحرية والعدالة»، الذراع السياسية للجماعة في قضية متداولة في القضاء الإداري منذ أكثر من شهر، وهو ما يعني أيضاً مصادرة الأموال والممتلكات التابعة للجمعية والحزب، وحظر أي نشاط للجماعة، فضلاً عن استمرار حملة اعتقال القيادات والكوادر المعروفين في الجماعة ومحاكمتهم.
غير أنّ إلغاء جماعة «الإخوان» من المشهد السياسي يبقى أمراً في غاية الصعوبة؛ فالجماعة التي تضرب جذورها في العمق المصري لما يزيد على 80 عاماً، وفي قرابة 70 دولة لمدة متقاربة، تمتلك من الالتزام التنظيمي والخبرات المتراكمة في التعامل مع أنظمة غربية ومحلية، ديموقراطية وديكتاتورية، ما يرى مراقبون أنّه سيكون أداة ناجزة في مقاومتها. لكن أي أنواع المقاومة ستختار الجماعة، وهل سيكون ناجزاً أم لا؟
الواضح في الأمر أن الجماعة باتت أمام خيارات أحلاها مرٌّ؛ الأول هو الاستمرار في المواجهة المفتوحة مع مؤسسات القوة في الدولة وما تملكه من ماكينة إعلامية تعمل ليل نهار على شيطنة الجماعة، وهو ما يعني وفق كثير من المراقبين «عملية انتحار» سياسي ووجودي، يسمح لدولة مبارك بالانتقام مما جرى لها خلال ثورة «25 يناير».
الجماعة، في حال تبنيها هذا الخيار، تراهن على جملة من الأمور، أبرزها رفع قضايا وشكاوى أمام المحاكم والمؤسسات الدولية بشأن الدموية التي مورست ضدّ أعضائها أو المؤيدين لها، سواء في ما عُرف بـ«مذبحة الحرس الجمهوري» و«المنصة»، وخلال فض اعتصامي «رابعة» و«النهضة»، وما جرى في ميدان رمسيس ومسجد الفتح، واستغلال هذا الأمر لكسر التعتيم الإعلامي المحلي عليها.
إضافة الى ذلك، فإنّ بعض القطاعات في الجماعة تستند في تبنيها لهذا الخيار إلى الإيمان بأنّ ما يجري لهم هو حرب تصفية نهائية، ويستدلون على ذلك بالاشتباكات التي وقعت في منطقة سجون أبو زعبل، وبالتالي، فإن المواجهة المفتوحة بالمسيرات والتظاهرات، ستمكّنهم من إثبات وجهة نظرهم للمواطنين مباشرة، وستكشف البطش الذي يتعرّضون له. غير أنّ هذا الجانب ظهرت فيه خطورة كبيرة خلال الأيام الماضية، تجلّت في أنّ مجموعة ممن يسيرون في هذه المسيرات رأوا أن تأمين التظاهرات ضد العنف المسلح من قبل البلطجية أو الشرطة يجب أن يواجه بعنف مماثل، وهو ما يهدد بفقدان تعاطف كثيرين ممن يجوبون معها المسيرات في الشوارع من الناس العاديين أو حتى المخالفين لها في الفكر، خصوصاً أن أي عنف أو ظهور مسلح، وإن كان في حالة الدفاع عن النفس، سيفقد البعد الأخلاقي للتظاهرات، ويعطي من يريد أن يبطش شرعية.
الاستناد الآخر في هذا الخيار هو أنّ المعركة باتت معركة وجود بالنسبة إلى غالبية من يحمل الفكر السياسي الإسلامي، ومن ثم ستنضم إليهم فئات من التيارات الإسلامية الأخرى. وهو الاستناد الذي يهدّده عدم مسايرة حزب «النور» والدعوة السلفية، مدرسة الإسكندرية، لكن الجماعة تعول على أن فئات من الليبراليين والسياسيين الذين يرون أن المزيد من القتل يعني موت السياسة نهائياً وعدم الوصول إلى أي حل عاقل، وهو ما سيجعلهم بحسب رؤية الجماعة ينضمون إلى الدفاع عن وجود الجماعة من حيث المبدأ، بغض النظر عن صيغة هذا الاستمرار أو الوجود. الاستناد الأخير لهذا الخيار أن تكون القلاقل في جنوب البلاد وشرقها، والتي أدانتها الجماعة في بيانات بينما حمّلت الحكومة الجماعة مسؤوليتها، دافعاً للضغط على الحكومة، تجعلها مضطرة إلى رفع يدها عن الجماعة.
أما الخيار الثاني، فهو أن تلجأ الجماعة إلى التهدئة، وأن تنسحب قليلاً إلى الوراء، وهو خيار ترفضه الغالبية من الجماعة بعد الدم الكثير الذي أُريق، وأنّهم حال مكوثهم في منازلهم سينالهم الأذى، إما بالاعتقال أو بالتعذيب أو بالتضييق، خصوصاً في ظل قبول اجتماعي من بعض الطبقات بما يجري لهم، وهو ما سيكون بمثابة «موت بطيء».
الظاهر حتى الآن في دعوة الجماعة الى مزيد من المسيرات والتظاهرات في ظل ما سمّته «أسبوع الرحيل» أن الجماعة ماضية في عدم الانسحاب من المشهد، ولو جزئياً، خصوصاً مع وجود عدد من كوادرها وقواعدها في أماكن بعيدة عن الأمن، وهو ما ظهر في عدم تمكن الأجهزة الأمنية من القبض على 27 من قيادات الجماعة بعدما دهمت منازلهم في الإسكندرية، فيما تمكنت من الإمساك بـ7 منهم فقط.
ويبدو أن الجماعة، ومن يرغب في مناصرتها خلال الفترة المقبلة، سيواجهون قطاعاً كبيراً من المجتمع الغاضب ومعه الحكومة والنظام الحالي، وهو ما يعتبره كثير من المراقبين «انتحاراً»، نظراً إلى أن الطرف الآخر، متمثل في الفريق الأول عبدالفتاح السيسي ومؤيديه، مصرّ على المضي قدماً في ما بدأه، في وقت يرى فريق «الإخوان» في التصدّي له مقاومة مشروعة.