عكا | السابعة والنصف صباحاً، الجوّ لا يزال محملاً ببرد الليلة ما قبل الماضية وقطرات الندى. عند ساحة الكنيسة، تقف طوابير الفرق المشاركة في «عودة البراعم»، المخيم الصيفي الرابع والعشرين لقرية كفربرعم المنظم سنوياً من قبل حركة «العودة ــ أبناء كفربرعم التقدميون». الفرق تضم من عمر عامين لغاية 18 عاماً، جميعهم يبدأون يومهم بالنشيد الوطني «البرُعماني»: «إيدي بإيدك خليها/ حتى الأرض نحميها/ فداها بترخص الروح/ والله بروحي بفديها» لطوني اندراوس، ابن قريتهم. يعتبر رياض غنطوس مثل كثيرين، أنّ الإنجاز الأهم لحركة «العودة» هو المخيم الصيفي واستمراريته لثلاثين عاماً، ويضيف: «لدينا شبيبة وُلدت في العام 1982، واليوم هي التي تقود المخيم». تناضل «العودة» من خلال مسارين؛ الأول تربوي، بحيث يجتمع على مدار ثمانية أيام أهالي القرية على أرضها وفي ساحة كنيستها وما تبقى من جدران بيوتها فيروي من يعرف لمن لا يعرف قصة القرية، ويجري التعارف بين أهالي القرية. أما الثاني فهو عملية الترميم المسمى مخيم العمل التطوعي، ويقام سنوياً في الخريف.


وتصب فكرته بتهيئة المكان ليكون صالحاً لاستقبال أهالي القرية. وحتى الآن جرى ترميم الكنيسة وساحتها، والسطوح والغرف المحيطة بها، كسطح المدرسة المقابل لها، كما بنيت حمامات للمخيم وغيرها من الترميمات التي تتيح أرضية مريحة للعيش هناك لفترة.
المهم هذه السنة، أن المخيم حمل شعار «أعلن عودتي»، لتهيئة وإعلان العودة الفعلية إلى أرض القرية. عن هذه الخطوة، تقول سنا أبو وردة: «لهذه السنة معنى آخر، لأن المخيم لم ينته بمرور 8 أيام. هذه الخطوة تثبت أننا لا نزال نريد حقنا ولن نتنازل عنه».
ساهر جريس يرى أن أهمية خطوة «أعلن عودتي» تكمن في تحقيق العودة بلا انتظار لأي قرار، بما فيها من فرض واقع لحقّ يملكه أهل القرية. ويضيف: «ستكون الخطوة عبارة عن مفصل تاريخي لقضية كفربرعم، نجحنا أو لم ننجح فيها ستكون عبارة عن تجربة خضناها وتعلمنا منها كما أهلنا في اعتصام العام 1972».
إعلان تطبيق الاعتصام جاء بالتوازي مع الأخذ بعين الاعتبار الدروس المستفادة من اعتصام سابق العام 1972 وأيضاً من أهالي قرية «إقرث» المهجّرة التي مرّت سنة على تحقيق عودتهم منذ مخيمهم الصيفي للعام 2012. أضف إلى الحصول على دعم كبير من أهالي قرية كفربرعم نحو هذه الخطوة. أما عن النتيجة المرجوة فيقول رياض غنطوس: «العودة، ولا أقل منها. هذه النتيجة التي أبني عليها، ولو كانت أي نتيجة أخرى لما خضنا هذه الخطوة».
الساعة الثانية عشرة والنصف من منتصف الليل. جميع الأطفال والفتية ذهبوا إلى النوم في خيامهم. النور خفيف في ساحة الكنيسة ومحيطها، البرد قارس في ليل آب. وبعض السهارى من طاقم المخيم يجلسون في منطقة المعبد الروماني وحديقته، يتحدثون عن شكل القرية بعد العودة، أحيائها، أماكن قضاء وقت الفراغ، اللعب، السهر، الدراسة وحتى عن المنطقة التي ستحتوي على «واي فاي» لاستخدام الإنترنت. وبعضهم يغنّي «درب الغربة مهما يطول/ رح ضل عليكي مشغول/ حتى يرجع يوم ويزول/ الظُلم وأحكامه كلها»، من الأغنية «يلا عَ برعم يلا» للشاعر طوني اندراوس، كأنها أقرب إلى الحقيقة من أي وقت، هذه الأغاني التي أصبحت نهج حياة ونضال حتى العودة.




كفربرعم، قرية فلسطينية (قضاء صفد) تقع في شمال فلسطين.
تبعد عن الحدود الجنوبية للبنان 4 كلم وعن صفد 11 كلم. في نهاية تشرين الأول 1948 احتلت القرية ضمن عملية «حيرام» العسكرية. وفي 13 تشرين الأول 1948، حضر ضابط إسرائيلي وأمر أهالي القرية بمغادرة منازلهم خلال 48 ساعة باتجاه لبنان.
وفي 16 و17 أيلول 1953، قصف سلاح الجوّ الإسرائيلي بيوت كفربرعم ودمرها عدا الكنيسة والمدرسة. القصف جرى أمام أعين أهالي القرية الذين وقفوا وقتئذ على تلة، تبعد نحو كيلومترين عن القرية، سُميت في ما بعد «تلة المبكى» أو «مبكى البراعمة».