القاهرة | صخور جبلية مترامية الأطراف يزيد ارتفاعها على 1800 متر، تشق التمدد الصحراوي بعمق 60 كيلومتراً، تبدأ من منطقة الفالوجة القريبة من قناة السويس جنوباً وتنتهى بمدينة العريش شمالاً، وتبتلع منطقة وسط سيناء حتى قلب صحراء النقب داخل فلسطين المحتلة؛ هكذا يقرأ رئيس جمعية مجاهدي سيناء، الشيخ عبدالله جهامة، جغرافيا جبل الشيخ.

فبعدما كانت سراديبه ووديانه دروع الآمان للمجاهدين الفدائيين من أهالي سيناء والمحافظات المختلفة أثناء حرب الاستنزاف، تحولت الى بؤر تجمع الهاربين الخارجين عن القانون والإرهاربيين. يقول الشيخ جهامة إنّ أهمية الجبل تأتي من طبيعة موقعه الاستراتيجي في قلب المناطق الملتهبة والأكثر اشتعالاً في شبه جزيرة سيناء، وذلك لأنه يتبع دائرة مركز ومدينة الحسنة، وهو يمتد بطول 70 كيلومتراً، وعرض 40 كيلومتراً تقريباً في قلب صحراء وسط سيناء.
أما كثرة مسالك هذا الجبل وأوديته فقد ساعدت الفدائيين أثناء حرب الاستنزاف على الهروب من براثن قوات الاحتلال التي وقفت مراراً عاجزة أمام اقتحام هذا الجبل بغية انتزاع قلوب «الأبطال المصريين»، فيما قهرت القبائل العربية بوطنتيها كيد الإسرائيليين وحولت كهوف هذا الجبل ومغاراته لبيوت تؤوي الفدائيين المجاهدين، وكان الأطفال ينظرون إليه ويردّدون «هذا بيت البطل».
وعن حراسة جبل الحلال، يقول (س. م. ل.)، أحد الهاربين من ثلاثة أحكام بالمؤبد، لـ«الأخبار»، «تتقاسم القبائل العربية الكائنة في صخور الجبل مهمة تأمينه؛ ففي الناحية الشمالية تتولى قبيلة الترابين مسؤولية التأمين والحراسة، أما الجزء الجنوبي فهو من نصيب قبيلة التياهه، فيما تتولى مهمة حماية الأجزاء الداخلية منه قبيلة شنوب».
تأمين الملاذ الآمن يعني هنا البدو الهاربين من الأحكام الغيابية التي لا تُعدّ ولا تُحصى، خصوصاً بعدما عمدت وزارة الداخلية الى رصد آلاف الشبان وقامت بتكويدهم بأرقام سرية في ملفات لدى الأمن العام، ومنعتهم من التعامل مع كل المصالح الحكومية، من خلال جمل تعبيرية لم يعوا خطورتها إلا عندما قرروا استخراج أوراق رسمية ليتمكنوا من مزاولة حياتهم العادية كباقي المواطنين؛ وهذه الجمل هي: «شديد الخطورة»، «مسجل خطر»، و«خطر على الأمن القومي».
بهدوء يتّكئ هارب من الأحكام المؤبدة على منحدر صخري، ويتذكر أحداث طابا وتفجيرات شرم الشيخ والعريش عام 2000، التي قضت على حلم مئات الشباب السيناوي في البقاء بين قبائلهم آمنين. يقول لـ«الأخبار» «احتضنتنا صخور هذا الجبل عندما ضاقت علينا الأرض بما رحبت، وأُغلقت أمام وجوهنا أبواب الرحمة، وسلطت علينا وزارة الداخلية وابلاً من العذاب النفسي والتعذيب. ورغم عدم ثبوت الأدلة الجنائية علينا، شلّت جملة التهم التي وُجهت إلينا حركتنا بعد الأحكام الغيابية التي صدرت ضد 60 في المئة من شباب شمال سيناء وجنوبها ووسطها».
بنبرة أكثر اتزاناً يلتقط (م. ح. ج.)، الهارب من حكم بالإعدام في أحداث طابا، أطراف الحديث من جاره وصديقه. يقول: «فشلت محاولات شيوخ القبائل في إجراء مفاوضات مع الحكومة لإعادة محاكمتنا، بعد تقديم ضمانات بالالتزام بالأدلة التي ستقدمها النيابة العامة في حقنا دون إضافات جديدة، لكن وزارة الداخلية ومؤسسة الرئاسة غضّتا الطرف عن مطالبنا، فقررنا انتزاعها بالقوة، كما يفعل بقية المواطنين في مختلف المحافظات، مع الأخذ في الاعتبار أن رفاهية الخروج من بين بوابات الجبل ومداخله تعتبر جنوناً يتحمل عواقبها صاحب القرار».
ساكنو جبل الحلال يعرفون جيرانهم جيداً، سواء كانوا من أبناء القبائل، أصحاب الأرض الحقيقيين، أو الهاربين من الوافدين بعد الأحكام الغيابية، ولذلك هم لم ولن يسمحوا بدخول الغرباء، إلا في حالة استئذانهم مسبقاً.
(ص. ع.) مجند هارب من حكم عسكري بعدما تخلى عن سلاحه أثناء اعتراضه على ما حدث لـ25 شخصاً من أبناء قبيلته، بعد صدور أحكام غيابية ضدهم فى أحداث العريش ظلماً، على حدّ تعبيره. يقول إن نقاط التفتيش المؤدية إلى جبل الحلال «كلام فارغ»، وإنه «بمجرد دخولك منطقة بئر الحفن تفاجأ بنقطة تفتيش أمنية لا تعمل، مسؤوليتها الوحيدة ردّ السلام على كل من يمرّ بها».
باقي النقاط التفتيشية أقل تواضعاً من السابقة. حتى عند المرور على يمين جبل الريسان، حيث يقع على اليسار منه كمين الريسة، الذي هاجمته الجماعات المسلحة 36 مرة تقريباً (يبعد عن الجبل مسافة 20 كيلومتراً تقريباً)، فإنّ نقاط تفتيشه أكثر خجلاً من الباقي. ويضيف المجند الهارب «ولهذا قررت أن أكمل حياتي مع عائلتي الصغيرة وأمجاد والدي الشهيد، الذي ظل يطارد الإسرائيليين طوال حرب الاستنزاف، وقررت أن أسكن مغارته في أحد كهوف الجبل الى حين يقضي الله أمراً مفعولاً». يسطّر الشيخ عبدالله جهامة المأساة التي يعاني منها أبناء هذا الجبل، فيقول «المعاناة التي تفجر الأوضاع في الجبل هي لجوء بعض الملثمين للاحتماء به عقب قيامهم بعمليات تفجيرية، غير أن هذه المحاولات لا تنجح في غالبية العمليات، لأن الجماعات البدوية تريد استعادة مجد الجبل الذي أوى أبطال حروب تحرير أرض سيناء ومصر».
ويتابع جهامة «نفاجأ بحملات إعلامية مغرضة تعكس خطورة هذا الجبل ومن يأوي إليه، رغم أن الأزمة الحقيقية هي الغياب الأمني الواضح في المناطق المؤدية إليه، لا في قاطنيه، وحلّ اللغز الخاص بفشل كل عمليات التطهير والمسح التي قامت بها القوات المسلحة المصرية هو عدم وجود جماعات مسلحة أو متطرفة تقطن هذه الجبال، لذلك تبقى نتائج العمليات الاستخبارية التي تقوم بها الأجهزة الأمنية في سيناء في مصلحة أبناء الجبل».
المصيبة الكبرى التي يعانى منها أبناء القبائل هي ظهور بعض القنابل التي زرعتها أيادي الاحتلال، بحسب ما يقول الشيخ. وبفعل عوامل التعرية والسيول التي اجتاحت أراضي شبه جزيرة سيناء، تحركت هذه القنابل من أماكنها في أعلى الجبل إلى واديه في المنخفض، وهي تنفجر بين الفينة والأخرى لتحصد مزيداً من أرواح الأبرياء، فيما تقف الجهات الأمنية مكتوفة الأيدي، مكتفيةً بالترديد أن ساكني هذا الجبل هم ممن يتاجرون بالسلاح ويساعدون الخارجين عن القانون والمنظمات الإرهابية على الفرار من وجه العدالة على حساب الوطن. لتبقى لغة الشك والخيانة هي المرادف الوحيد الذي يوجع أهالي سيناء ويذيقهم مرارة الغربة داخل بلادهم.
هكذا يتمزق جبل الحلال بين بطولاته في إيواء الفدائيين وعار يلاحقه بعد اختباء الإرهابيين فيه، وتظل الصخور الرملية البيضاء الكاسية لمنحدرات الجبل ومرتفعاته الشاهد الوحيد على المذنبين في حقه، ويبقى العجز القاسم المشترك الذي يجمع الأجهزة الأمنية وسكان الجبل لإيجاد مخرج لإشكالية التهميش التي يعانيها أبناؤه.