دمشق | قبل حوالى شهر، سجّل الذهب رقماً قياسياً في السوق السورية، بلغ فيه غرام الـ 21 قيراطاً 11 ألف ليرة سورية، بالتزامن مع ارتفاع الدولار لرقم فاق الـ 300 ليرة سورية. لكن تغيّر الوضع مع بدء البنك المركزي بالتدخل، وضخّ العملة الصعبة في السوق ليهبط سعر الدولار بالتدريج، ويقف حالياً عند حدود الـ 175 ليرة.

ومع أولى بشائر تدخّل «المركزي»، هبط سعر الذهب إلى ستة آلاف ليرة، وعاد بعدها للارتفاع ثانية، ليستقر حالياً على ما بين 7000 و8000 ليرة لغرام الـ 21، متذبذباً بين هذين الرقمين يومياً، إما صعوداً أو هبوطاً، على عكس الدولار الذي استمر بالهبوط وفق تسعير «المركزي»، خالقاً بذلك علاقة عكسية بين هذين الحاملين الاقتصاديين.
ويقول الأستاذ في كلية التجارة في جامعة دمشق، ياسر المشعل، إنّ هذه العلاقة يمكن تبريرها على المستوى الجزئي بمجموعة من العوامل، أهمها: تمثيل الذهب لوعاء ادخاري للأشخاص الراغبين في الحفاظ على القوة الشرائية لمدخراتهم. لذلك مع انخفاض سعر الدولار محلياً، ازداد الطلب على هذا المعدن، ما سبّب ارتفاعاً في الأسعار.
ويتابع المشعل، في حديثه مع «الأخبار»، إنّه بالنسبة الى المضاربين، أيضاً، شكّل انخفاض أسعار الذهب فرصة استثمارية، وخاصة مع انخفاض سعر الصرف والتوقعات في الأسواق العالمية بارتفاع أسعاره المستقبلية، وبالتالي أقدم كثيرون منهم على طلب الذهب للمضاربة على الصعود، ما أدى أيضاً إلى ارتفاع أسعاره محلياً.
ويختم محدّثنا هذه الأسباب بالعامل النفسي الذي لعب دوراً كبيراً بزيادة الطلب على الذهب، وخاصة مع تعقيدات الحصول على الدولار من السوق النظامية، وإشاعات انتشار الدولار المزوّر في السوق السوداء، ما سبّب لجوء الناس إلى البديل الأمثل لحفظ قيمة أموالهم، وهو الذهب.
أما منّ الناحية الاقتصادية، فيرى المشعل أنّه يمكن اعتبار الذهب وسيلة امتصاص للصدمات.
فعند تدخل البنك المركزي، أجبر سعر الصرف على الانخفاض من دون تغيّر في الأساسيات الاقتصادية الحقيقية المشكّلة لسعر الصرف، وانتقلت التذبذبات للظهور على متغيّر آخر وهو أسعار الذهب، وبات ارتفاع أسعاره انعكاساً للأساسيات الاقتصادية الحقيقية الضعيفة، وليس لأسعار الصرف التي ثبتّت اسمياً من خلال التدخّل بضخ الدولار في السوق المحلية، بالإضافة إلى استقرار أسعار الفائدة. فمن المعروف أنّ سعر الصرف وسعر الفائدة يعملان كمتغيرين متراجحين، حيث إنّ زيادة تقلبات أسعار الصرف تكون على حساب استقرار أسعار الفائدة، والعكس بالعكس، لكن مع تعطّل سعر الفائدة في سوريا، كمتغيّر نقدي وثباته الاسمي، أخذت أسعار الذهب هذا الدور وباتت المراجحة بين سعر الذهب وسعر الصرف تظهر واضحة للعيان.
نعتذر عن البيع والشراء
فاجأ هبوط الدولار وتدخل «المركزي» الجميع بمن فيهم الصاغة، وامتنع بعضهم في بداية الأمر عن البيع لحين بيان الأمر، بحجة أنهم «اشتروا بالغالي ولن يبيعوا بالرخيص». ويقول أحد الصاغة إنّهم «في مثل حالة التذبذب هذه، نفضّل عدم البيع والشراء لعدم معرفتنا أيّ اتجاه سيأخذه الدولار»، نافياً لـ«الأخبار» أنّ يعلن الصاغة صراحة هذا القرار، لكنهم يلتفّون بطريقة أخرى من خلال ادعائهم عدم امتلاكهم ما يحتاج إليه الزبون. ويقتصر بيعهم على المعروض ضمن الواجهة، ويفسّر الأمر بأن ما يعرض غالباً لا يفيد من يرغب في المتاجرة بسبب ارتفاع تكلفة صياغته واحتوائه على أحجار.
بدوره، رئيس جمعية الصاغة في سوريا، غسان جزماتي، نفى امتناع الصاغة عن البيع، مشيراً إلى «تسجيل حالة واحدة وقعت سابقاً وكان وضع الدولار فيها عكسياً ويسجل ارتفاعات عدة خلال اليوم، لذلك أوقفوا البيع حوالى ساعتين لحين استقرار سعر الدولار، وخاصة أن جميعهم يلتزمون بتسعيرة النقابة التي تصدر يومياً في الساعة 11 صباحاً».
وينكر جزماتي أن يكون الذهب في سوريا يمشي باتجاه معاكس للدولار، مبيناً أن أي ارتفاع يسجله اليوم سببه السعر العالمي في البورصة، لأن التسعيرة المحلية تعتمد على السعر العالمي وعلى سعر صرف الدولار في السوق المحلية، موضحاً أن سعر الدولار الذي يعتمدونه هو حل وسط بين السوق السوداء والسوق النظامية. وهم اليوم يعتمدون الـ 190 ليرة كقيمة الدولار، رغم أن تسعيرته هي 175 ليرة في السوق النظامية، ويقول جزماتي: «إذا اعتمد الصاغة سعر الدولة فلن يرضوا الزبون». وإن تحدثت النقابة عن التأثر فقط بالعامل الخارجي والسعر الدولي، فللوضع المحلي دوره وتأثيره كما يبيّن الأستاذ في كلية التجارة، ياسر المشعل، «لأنّ الذهب بات اليوم حاملاً للتقلبات الاقتصادية في سوريا، وباتت أسعاره انعكاساً للقوة الشرائية لدخل المواطن، والذي على أساسه يقيم الدخل الحقيقي للمواطن».
ليرة ذهبية سورية
مع ارتفاع أسعار الذهب، ابتكر الصاغة أخيراً عياراً جديداً هو عيار 12 ليضاف إلى العيارين الأساسيين في السوق 18 و21، وهذا النوع رغم ضعف نوعيته شكل حلاً عند البعض ممن يرغب في الشراء، وخاصة الراغبين في الزواج. لكن واقع السوق يؤكد أن حركة البيع الأساسية قائمة على الليرات الذهبية، إذ يتجه الكثيرون اليوم نحو شرائها لحماية قيمة مدخراتهم.
الجدير ذكره، أن جمعية الصاغة تقدمت أخيراً إلى الحكومة بمشروع الليرة الذهبية السورية، لاستبدال الليرة الانكليزية بأخرى سورية تحمل صورة النسر السوري.