دمشق | مع اتساع نطاق العمليات العسكرية في سوريا، ازدادت تحديات الوضع الإنساني والصحي لأعداد مخيفة من السوريين. وأخذت المؤسسات الحكومية والمدنية على عاتقها بحث هذه المشكلات في نطاق عملها وحلها، للحدّ من انتشار الأوبئة وتحصين بعض المناطق الآمنة بالخدمات المطلوبة لهذه المرحلة.


تُمثل المراكز الصحية في سوريا، والتي تجاوز عددها بحسب وزارة الصحة 1900 مركز منتشرة في جميع المحافظات، خط الدفاع الأول عن الصحة العامة من خلال تقديمها سلسلة من الخدمات لشرائح المجتمع كافة. لكن نتيجة الأزمة الراهنة واستهداف المؤسسات الصحية، تضرّر 204 مراكز، وخرج منها 123 مركزاً من الخدمة في محافظات عدة، وخصوصاً في حمص وإدلب ودير الزور ودرعا وريف دمشق وحماه. ومع خروج العديد منها عن الخدمة، تواجه هذه المراكز تحديات عديدة تتمثل بتلبية احتياجات متزايدة بإمكانيات مادية وبشرية محدودة.
ويقدّر مكتب منظمة الصحة العالمية أنّ أكثر من ثلث المستشفيات في سوريا قد دمّر، وأن حوالى 78% من سيارات الإسعاف قد تضرّرت، عدا عن نقص أعداد الكوادر الطبية، فحوالى 50% من الأطباء في حمص قد غادروا المدينة وحوالى 30% من الأطباء في درعا قد غادروا أيضاً. وهذا ما خلّف نقصاً هائلاً في عدد الطواقم الطبية اللازمة هناك، لهذا يقول نازحون لـ«الأخبار» إنّ «الوضع الصحي السيئ في مناطق العمليات العسكرية كان سبباً رئيسياً في النزوح.
كنا نضطر أحياناً إلى الانتقال أكثر من 50 كلم تحت كل أنواع المخاطر للحصول على خدمات طبية أو لنجد طبيباً».
هذا بالإضافة إلى معاناة المواطنين السوريين في معظم البلاد من نقص في المواد والخدمات الطبية، حيث تذكر تقارير أن نسبة فقدان بعض أصناف الأدوية تجاوزت 40%، وخاصة أدوية الأمراض المزمنة. وقد تسببت العقوبات الاقتصادية الأحادية الجانب المفروضة على سوريا، إضافة إلى إغلاق العديد من معامل الأدوية بسبب الأحداث التي تشهدها البلاد، بنقص عام بالأدوية وخاصة الأدوية النوعية، التي ارتفعت تكلفتها إثر انخفاض سعر صرف الليرة. فمثلاً علبة المعقم (يود) كانت بـ 50 ليرة قبل الأزمة، والآن أصبحت بـ 150 ليرة لأنها منتج أجنبي.
ويشير أحد المواطنين إلى أنّه «حتى المسكّنات المحلية التابعة لمعامل التاميكو ارتفع سعرها من 75 ليرة إلى 150، بسبب زيادة الطلب وانخفاض العرض منها، والذي سبَبه إيقاف عمل بعض معامل الأدوية المحلية».
من ناحية أخرى، ترتبط هذه الأزمة الصحية بنقص الخدمات في مناطق النزوح، فمشكلة مياه الشرب والصرف الصحي تمثل تحدياً كبيراً للغاية في سوريا، في ظل تزايد حالات الإصابة بالتهاب الكبد الوبائي ومرض التلاسيميا والتصلب اللويحي والناعور والسل والحمى المالطية...
وبسبب الضغط السكاني الذي شكلته عمليات النزوح، ازدادت الإصابات الوبائية، كما في مدينة شهبا بالسويداء، التي لوحظ فيها زيادة عدد المصابين بفيروس التهاب الكبد وخاصة بين الأطفال.
كذلك ارتفع عدد المصابين بمرض الليشمانيا في محافظة حلب، نتيجة تراكم القمامة في الشوارع وتلوث مياه الشرب ونقص الخدمات الوقائية، وعدم قدرة الجهات المسؤولة على إيصال الخدمات إلى مستحقيها لأسباب أمنية.
عبد الرزاق، الشاب الحلبي، يروي لـ«الأخبار» أنّ «أغلب الشوارع داخل المدينة تمتلئ بالقمامة، حتى في بعض الأحيان يلجأ السكان إلى وضع القمامة على السطوح ليتفادوا المرور بينها.
والصعوبة الكبرى تكمن في عدم قدرة آليات البلديات على الدخول إلى تلك المناطق للتخلص من هذه النفايات، لهذا بدأت بعض الأمراض الجرثومية بالظهور وخاصة بين الأطفال لضعف مناعتهم الجسمية».
ولم تقتصر الأزمة الصحية على من في سوريا فقط، بل تعدت الحدود لتصل إلى دول الجوار، التي شكّلت ملاذاً آمناً لعدد كبير من اللاجئين، حيث يسود الخوف من انتشار بعض الأمراض وانتقالها من النازحين إلى مجتمعات أخرى، وخاصة بين الأطفال، كمرض الحصبة والأمراض المعدية، وذلك بعد تعطل برامج التطعيم واللقاحات في بعض المناطق السورية.
وذكر بعض الأطباء في لبنان أنّ الخوف سوف يكون في أوجه عند بداية العام الدراسي للأطفال، فنسبة الأطفال السوريين المسجلين في المدارس اللبنانية أصبحت مرتفعة جداً، ومنهم من يحمل أمراضاً معدية مثل الحصبة والجدري وغيرها، ما استدعى وقوف الجمعيات الأهلية لمحاربة الأوضاع الصحية المأسوية للنازحين، في مجالات التثقيف الصحي وتحسين بيئة العمل في بعض المراكز الصحية الحدودية من ناحية التجهيزات والاحتياجات وتأهيل الكوادر العاملة فيها، إضافة إلى تسيير عيادات متنقلة والمساعدة بإيصال وسائل تنظيم الأسرة ورعاية الحامل والكشف المبكر عن
الأورام.