ريف حمص | تسيطر المعارضة المسلحة على قلعة الحصن الواقعة ضمن سلاسل جبال الساحل السوري، حيث تصل إلى مقاتليها الإمدادات باستخدام النفق الروماني أسفل القلعة والذي يصل حتى وادي خالد اللبناني، بعد تعزيزه بحفر أنفاق فرعية على طول المنطقة الحدودية. يصف بعض أبناء المنطقة النفق الأثري بأنه مبني من الحجر الأسود المتراص خلف بعضه، وأن سقوط إحدى هذه الأحجار تتسبب، حتماً، في هدم النفق كاملاً.

لا تأثير خطيراً على المتمترسين داخل المنطقة المتمردة بسبب أي قصف من قبل الجيش السوري، حيث إن الأنفاق المحفورة تستخدم ملاجئ جيدة لحياة آمنة تحت الأرض.
القلعة التي تبعد 60 كيلو متراً عن مدينة حمص و21 كيلومتراً عن مفرق العريضة الحدودي، وترتفع عن سطح البحر 750 متراً، ممتدة على مساحة 30 ألف متر مربع تعتبر نموذجاً كاملاً للقلاع العسكرية المحصنة. بعد سيطرة الظاهر بيبرس على القلعة الصليبية عام 1271م ألحق بها جامعاً، بالإضافة إلى الكنيسة التي تعود للعهد الصليبي.
وبحسب أحد أبناء المنطقة فإن أول ما فعله مسلحو قرية الزارة بعد السيطرة على القلعة هو تخريب الكنيسة والإبقاء على الجامع، على الرغم من أن المعلَمَين الدينيين غير مستخدمين للصلاة أصلاً. لا كهرباء أو ماء تصل إلى القلعة منذ أكثر من سنة، بحسب معارضين من المنطقة، ولم يبقَ فيها سوى أقل من ثلاثة آلاف مدني.
قرية الزارة المجاورة تقع أيضاً ضمن الأراضي التي يسيطر عليها المسلحون، وهي من القرى التابعة إدارياً لمدينة تلكلخ. ثلاثة حواجز فقط تفصل الزارة عن تلكلخ التي عادت إلى سيطرة الدولة السورية، حيث يعتبر من بقي من سكان القرية محاصرين فعلياً بين مجموعة قرى ومناطق تحت سلطة الجيش السوري. ويقدّر عدد الباقين فيها من مدنيين بـ15 ألفاً، حسب إحصائيات المعارضة، هم بغالبيتهم من التركمان. تتعرض القرية بين وقت وآخر للقصف من قبل الجيش السوري. وهي تضم أكثر من ألف لاجئ معظمهم من قلعة الحصن.
تنضم إلى القرية قريتان ثانيتان وهما الحصرجية وشواهد، اللتان تتشابهان مع الزارة في الظروف ونمط المعيشة. تلوح من أسفل طريق وادي النصارى قرية عمار الحصن، التي تجاور القلعة وتبعد عنها مسافة 4 كلم.
تقع القرية في الأعلى بين جبلين غير منفصلين عن بعضهما كلّياً، في لوحة تروي دون أي شرح فصول المعركة العسكرية في المنطقة والتحدي المرافق لها. لا يسيطر مسلحو المعارضة على القرية كلها، إنما تقسّم عسكرياً إلى خمسة أطواق. تحتلّ المعارضة الطوقين الأول والثاني منها، فيما يبقى الثالث حداً فاصلاً بين الطرفين المتقاتلين، ويسيطر الجيش السوري على الطوق الرابع والخامس.
يتحسر أهل الوادي على أيام المهرجانات التي كانت تنطلق فعالياتها من قلعة الحصن، والتي كان يصفها السوريون بأنها أرقى المهرجانات السورية، بسبب قدوم المغتربين السوريين وأصدقائهم من جميع بلدان العالم.
لم يكن يضاهي أي حدث سياحي أو تاريخي في سوريا مهرجانات المنطقة، التي كانت تتزامن مع عيد السيدة في مرمريتا. حسرات من الماضي بالنسبة لأبناء الوادي، فطريق قراهم الذي يتصيد عليه قناصو القلعة السيارات العابرة، قد أضحى طريق الحياة الجديدة، فيما لو نجح العابرون في قطعه ونجوا من الموت المرابط خلف الجدران الأثرية التي تضحي بمحاذاته مع استمرار الصعود إلى أعلى سفح للوصول إلى قرية الناصرة.
من مدخل قرية الحواش الشهيرة تبدأ أولى مظاهر التأييد للسلطة. تبدو آثار تخريب خفيفة تنمّ عن اشتباكات سريعة قامت في المكان وخلّفت منازل عدة مخلوعة الأبواب ومحطمة النوافذ.
حاجز لقوات الدفاع الوطني يتحكم بالداخل والخارج من المنطقة، بعدما عانت قرى الوادي من هطول القذائف عليهم من القلعة ومحيطها.
ومن قرية عين العجوز تبدو القلعة أقرب بشكل مهيب، تفصلها قرية القلاطية وآثار الدمار الواضحة فيها إلى الطريق العام.
الوصول إلى قرية الناصرة يعني الوصول إلى أقرب نقطة مقابلة لارتفاع القلعة. طريق الصعود إلى القرية أقرب إلى القلعة بشكل يجعل من المارين عرضة لأيّ خطر قد يقرّره من يراقبهم من داخل الحصن القديم. أما الوقوف بمحاذاة القلعة في قرية الناصرة فيعرضك إلى الكثير من النصائح بضرورة عدم كشف خطواتك خشية القنص المتوقع.
إلى يمينك يقف تمثال العذراء على أعلى التل شاهداً صامتاً على الأحداث الأليمة التي شهدتها وتشهدها المنطقة.
بينما تتركز في التلال المحيطة بالقلعة ممرات للإمدادات اللوجستية، يصل بعضها حتى مدينة تلكلخ، أهم نقطة إمداد سابقاً.
وبعد المصالحة التي جرت في تلكلخ، اختلف الأمر بالنسبة لمقاتلي الحصن، الذين ساءت أوضاعهم وسخطوا على خذلانهم من قبل مقاتلي تلكلخ الذين قبلوا بالمصالحة.
بينما بقي الاعتماد الوحيد بالنسبة إلى المسلحين على الأنفاق وما تم تخزينه من أسلحة وذخيرة ومؤن على مدار السنة الماضية.
أمرٌ قابله الجيش السوري بقصف مواقع للمعارضة المسلحة، مستغلّاً خسارة المعارضة لمدينة تلكلخ وهبوط معنويات مقاتليها في الحصن، دون اللجوء إلى قصف القلعة التي وُضعت من قبل منظمة اليونسكو على لائحة التراث العالمي الإنساني عام 2006.
من المعروف عن قلعة الحصن العبارة اللاتينية المكتوبة على أحد جدرانها، والتي تقول: «إذ مُنحتَ النعمة، ومُنحتَ الحكمة، وفوقها الجمال، لا تدع التعجرف يقترن بها، لأنه يذهب بها جميعاً».
إنما القلعة اليوم لا يقترن بها سوى الخطر الذي يتهددها، بسبب العودة إلى استعمالها القديم كحصن منيع، يتمترس فيه أحد الأطراف المتقاتلة. مصدر عسكري يؤكد لـ«الأخبار» أنّ ضرب القلعة وما حولها سهلٌ فيما لو أرادت الدولة السورية إنهاء المسلحين، وهذا ما يقوّي مناعة القتال عند هؤلاء، ليقينهم أن الدولة لن تضرب القلعة الأثرية.
لا يبدو أن هُنالك نية لدى الجيش السوري لقصف القلعة، إذ لا مغزى عسكرياً للإبقاء عليها طوال هذا الوقت. في حين يتوقع البعض أن المدنيين في قلعة الحصن ومحيطها ينزعون نحو التسوية السياسية أسوةً بما جرى في مدينة تلكلخ، وهو ما يبقي الجميع في حالة ترقب لما ستسفر عنه الأيام المقبلة.