القاهرة ـــ الأخبار

يوم حاسم تنتظره المحروسة اليوم. عند الرابعة من بعد الظهر، تنتهي المهلة التي أعطاها الجيش للأطراف السياسية المتنازعة لإيجاد مخرج للأزمة تحت طائلة فرض «خريطة طريق»، بات واضحاً أنها تتضمن تعليق الدستور وتسليم الحكم لرئيس المحكمة الدستورية وتشكيل حكومة انتقالية لإجراء انتخابات وصياغة دستور جديد للبلاد. لكنه مخرج كان المعنيون يوم أمس يجهدون لجذبه ناحيتهم على أمل تحقيق القدر الأكبر من المكاسب. فعلوا ذلك في معركة كباش قاسية استخدمت الشارع وقودا لها.

المعارضة سمت مفاوضا باسمها معلنة تمسكها بخروج الرئيس محمد مرسي تحت عنوان انتخابات رئاسية مبكرة. و«الأخوان»، الذين كانت قياداتهم في معظمها لا تزال يوم أمس متوارية عن الأنظار، يصعّدون سقوفهم، مع تلويح بالاستعداد «للشهادة» دفاعاً عن «الشرعية».
موقف عبّر عنه مرسي نفسه في خطاب عنيف في وقت متأخر من الليل أكد فيه أنه «سيحافظ على الشرعية بحياته»، موجها رسائل غير مباشرة إلى الجيش «سأحافظ عليه، لأنه الجيش الذي بنيناه بعرقنا ودمنا ومواردنا»، داعياً جميع المصريين إلى «عدم الاساءة إليه». في تعبير بدا وكأنه تهديد مبطن للمؤسسة العسكرية.
وحدد موقفه من كل ما يجري بمبدئين: الأول، أن لا بديل عن الشرعية الدستورية والقانونية التي قال إنه سيحافظ عليها بحياته. أما الثاني ففتح باب الحوار وتشكيل لجنة عامة للمصالحة، لتفعيل مبادرة قال إن بعض الأحزاب عرضتها عليه لكنه عرف أن «الناس ترفضها والمعارضة ترفضها». وتنص المبادرة، بحسب مرسي، على تشكيل حكومة ائتلافية ولجنة مستقلة متوازنة لاعداد مواد دستورية والتعجيل في إصدار قانون انتخابات لإجرائها خلال ستة أشهر بضمانات للنزاهة والشفافية مع حل قضية النائب العام قانونيا، مرفقة بميثاق شرف إعلامي. وختم بالتحذير من أن «من يبغي غير ذلك سيرتد عليه بغيه و«سيدخل البلد في نفق ضيق مظلم لا نعرف آخره وندفع ثمنا كبيراً»، وبأنه «لن يقبل بأن يخرج أحد ضد الشرعية. هذا مرفوض هذا مرفوض هذا مرفوض». وكرر «اذا كان الحفاظ على الشرعية ثمنه دمي، فأنا مستعد أن أبذله رخيصا حسبة لله».
وكان مرسي قد قال في وقت سابق، في تغريدة على «تويتر»، إن «الرئيس محمد مرسي يؤكد تمسكه بالشرعية الدستورية ويرفض أي محاولة للخروج عليها ويدعو القوات المسلحة إلى سحب إنذارها ويرفض اي املاءات داخلية او خارجية». هي القوات نفسها التي رمى مرسي الكرة في ملعبها والجميع ينتظر ما سيكون عليه الرد اليوم.
كل ذلك فيما يبدو واضحا أن السيطرة يتقاسمها الناس في الشوارع مع المؤسسة العسكرية التي أحكمت قبضاتها على مفاصل البلاد كلها، بل على مرسي نفسه المحتجز بين أيدي حمايته من الحرس الجمهوري.
وكان لافتاً جداً ما نقلته «رويترز» عن «مصادر عسكرية مصرية» أمس من أن قلق الجيش من الطريقة التي يحكم بها مرسي البلاد بلغ مداه عندما حضر الرئيس مؤتمر نصرة أهل الشام الذي نظمه الإسلاميون في 15 حزيران في القاهرة حيث دعوا إلى الجهاد في سوريا. ونقلت عن «ضابط» قالت إن أقواله «تعكس تعليقات خاصة أدلى بها ضباط آخرون في الجيش»، «انزعجت القوات المسلحة بشدة من المؤتمر الخاص بسوريا في وقت تمر فيه الدولة بأزمة سياسية كبيرة».
وتحدثت معلومات عن أن خطة الجيش للحل تتضمن تعيين المستشار عدلي منصور رئيساً مؤقتاً للبلاد، وتكليف محمد البرادعي برئاسة الحكومة وتشكيل مجلس دفاع وطني وإلغاء الدستور وحل «الشورى» وإعلان دستور جديد.
المتظاهرون الثوار اجتاحوا الشوارع والميادين من جديد، ولبوا نداء مليونية «الإصرار»، وزحفوا الى قصر القبة حيث يفترض أن الرئيس مرسي يقيم، فيما اختار آخرون التوجه الى قصر الاتحادية المقر الرسمي للرئاسة. أخصامهم من مؤيدي الإخوان اعتصموا بمسجد الرابعة عدوية متمسكين «بالشرعية خط أحمر»، وجالوا في مسيرات مؤيدة في أنحاء متفرقة من القاهرة وفي الإسكندرية. صحيح أن اشتباكات وقعت وتبادل الطرفان اطلاق النار في السويس، ما اسفر عن وقوع قتلى وجرحى، لكنه عنف يبدو هامشيا في ظل التظاهرات المليونية التي عمت كافة أرجاء مصر.
في ميادين الاعتصام، استقبل متظاهرو التحرير تصريحات وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم، التي قال فيها إن الشرطة أصبحت ملكا للشعب المصري، وأن الداخلية ستقوم بإزالة الحواجز الخرسانية في الشوارع المؤدية إلى مبنى الوزارة بشكل تدريجي، بحالة من الفرحة مرددين هتافات مؤيدة بجهاز الشرطة منها «الشرطة والشعب أيد واحدة». اما ميدان رابعة العدوية، فاستقبل مجموعة من الأزهريين والدعاة يقودهم الشيخ جلال عبد الستار وكيل أول وزارة الأوقاف.
أما في الأروقة السياسية، فقد كلفت المعارضة بمختلف تياراتها، جبهة الإنقاذ الوطني وجبهة «30 يونيو» وحركة «تمرد»، رئيس حزب الدستور محمد البرادعي، مهمة التفاوض مع الجيش لإدارة المرحلة الانتقالية، من دون أن تُخفي قلقها من التدخل العسكري في السياسة بعد بيانه رقم 1. وقالتا، في بيان، انهما قررتا «تفويض البرادعي عرض رؤيتهما بشأن المرحلة الانتقالية على الجيش والتواصل مع مؤسسات الدولة لضمان الاستجابة لمطالب الشعب المصري». وأوضحتا أن هذا التفويض «يأتي تعزيزا لتفويضات سابقة اصدرتها جبهة الانقاذ وقوى سياسية أخرى حرصا على استمرار توحيد المشهد السياسي الثوري».
ورغم ترحيبها وتهليلها ببيان الجيش خلال اجتماعها المسائي أول من أمس، غير أنّ المعارضة عادت وكبحت حماستها معربةً عن خشيتها من التدخل العسكري. وأكد بيان لجبهة الإنقاذ الوطني «نحن لا ندعم أي انقلاب عسكري»، مضيفاً «نثق في اعلان الجيش الذي يؤكد عدم رغبته التدخل في السياسة».
موقف يأتي عقب رفض الرئاسة لبيان الجيش لكن بلهجة لطيفة، حيث قالت في بيان «إن البيان الصادر عن القيادة العامة للقوات المسلحة لم تتم مراجعة السيد رئيس الجمهورية بشأنه وترى الرئاسة أن بعض العبارات الواردة فيه تحمل من الدلالات ما يمكن أن يتسبب في حدوث إرباك للمشهد الوطني المركب». وبعد ساعات، مع حلول المساء، صدر بين جديد للرئاسة المصرية أكد ان «نتائج المشاورات الجارية لحل الازمة القائمة في البلاد لم تتبلور بعد».
وكان للقضاء كلمته في ظل هذه الأحداث، حيث قضت دائرة رجال القضاء والنيابة العامة بمحكمة النقض بتأييد حكم الاستئناف ببطلان القرار الجمهوري الصادر بتعيين المستشار طلعت إبراهيم عبد الله نائباً عاماً، خلفاً للنائب العام المعزول المستشار عبد المجيد محمود. لكن ظهر التباس مع بداية صدور الحكم، ان كان يعني ذلك عودة النائب العام المعزول الى منصبه، حيث نقلت وسائل الإعلام المصرية عن مصادر قضائية لم تسمها إن محكمة النقض، التي لا تقبل قراراتها الطعن، رفضت طعون عودة النائب العام السابق لمنصبه. وبناء عليه يتم اختيار أقدم محامي العموم من مساعدي النائب العام للقيام بمهامه مؤقتاً، ريثما يتم اختيار نائب عام جديد. وبذلك يكون النائب العام المساعد المستشار حسن ياسين رئيس المكتب الفني، قائماً بأعمال النائب العام حتى الانتهاء من إجراءات اختيار نائب جديد.
غير أن الرئيس في محكمة الاستئناف، المستشار أحمد عزيز الفقي، قال لـ«الأخبار»، إن «حكم اليوم قضى ببطلان قرار مرسي بعزل عبد المجيد محمود من منصبه وتعيين طلعت عبد الله نائباً عاماً بدلاً منه، وهو ما يعني عودة عبد المجيد محمود الى منصبه فوراً». وأضاف أن «البعض من جانب المستشار طلعت عبد الله يروجون أن الحكم يتعلق فقط ببطلان قرار مرسي بتعيين طلعت عبد الله نائباً عاماً، وهو ما يعني أن تنفيذه يقتضي عودة الأمر الى المجلس الأعلى للقضاء ليختار 3 مستشارين يقوم رئيس الجمهورية باختيار النائب العام الجديد من ضمنهم».
ولليوم الثاني على التوالي، توالت الاستقالات، حيث استقال أمس وزير الخارجية كامل عمرو وزير الرياضة فاروق العامري. وتأتي استقالتهما بعدما قدم أربعة وزراء استقالاتهم لدعم مطالب المعارضة المصرية. كما تقدم المتحدث باسم رئاسة الجمهورية ايهاب فهمي، والمتحدث باسم مجلس الوزراء علاء الحديدي، بطلب اعفائهما من منصبيهما.
اللافت خلال الأزمة المصرية الحالية، كان الترقب والقلق الأميركيين، وهو ما عبر عن مواكبة الرئيس باراك أوباما للأحداث منذ بدايتها، حيث لم يمر يوم دون الإدلاء بتعليق أو القيام بتحرك. يوم أمس، اتصل أوباما بمرسي للتعبير عن قلقه ازاء الوضع السياسي المتوتر في مصر. وجاء الإعلان عن هذا الاتصال من قبل البيت الأبيض، الذي قال إن أوباما شدد خلال اتصاله بمرسي على أن «الديموقراطية لا تقتصر على الانتخابات بل هي أيضاً الاستماع الى أصوات كل المصريين، وأن يتم تمثيلهم في حكومتهم وذلك يشمل المصريين الذين يتظاهرون في مختلف أنحاء البلاد». وأضاف متحدث أن أوباما «حث مرسي على اتخاذ خطوات تظهر تفاعله مع مطالب المصريين، وشدّد على أن الأزمة الحالية لا يمكن حلها سوى عبر عملية سياسية».
الاتصال لم يتوقف عند أوباما، بل قام وزير الخارجية جون كيري بالاتصال بنظيره المصري، قائلاً له إن زعماء مصر يجب أن يحترموا آراء الشعب المصري. وقالت المتحدثة جين ساكي، إن كيري قال لعمرو «من المهم الانصات للشعب المصري». وأضافت ان «الديموقراطية ليست مجرد انتخابات. إنها تتعلق بضمان أن يمكن للناس إسماع صوتهم سلميا».
ومن باريس، دعا وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس الرئيس المصري الى «الاستماع» لشعبه، معتبراً أن ما يحدث في مصر «مقلق للغاية».
الى ذلك، دعت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الانسان الرئيس مرسي إلى أن ينصت لمطالب الشعب المصري، وأن ينخرط في «حوار وطني جاد» لنزع فتيل الأزمة السياسية.