القاهرة ــ الأخبار

... وفي اليوم الثاني من التظاهرات المليونية في مصر، دخل الجيش على خط الأزمة، معلناً انحيازه الكامل الى «شعب مصر العظيم»، وممهلاً الرئيس محمد مرسي 48 ساعة «لتلبية مطالب الشعب»، تحت طائلة مصادرة الساحة وفرض خريطة طريق للحل، في خطوة ترافقت مع طلعات جوية استعراضية للمؤسسة العسكرية التي نالت ترحيب الثوار، واستنكار قيادات الإخوان الذين حاولوا في البداية الإيحاء بحيادية العسكر حيال الطرفين المتنازعين. لم تأت عودة العسكر من فراغ. كان قد بدا واضحاً أن حجم الاحتجاج الشعبي غير مسبوق، وأنه طال شرائح ومناطق لطالما كانت خارج إطار الحدث العام، بل كانت تعتبر داعمة تقليدية للإخوان. كما كان واضحا أن الملايين التي استوطنت الشوارع والساحات مصممة على عدم مغادرتها قبل تحقيق مطالبها. ولعل حادثة المقطم، حيث قتل 8 أشخاص، كانت مؤشراً بارزاً إلى أن خروج الأمور عن السيطرة بات مسألة وقت. في النهاية، استهدف المقر العام للإخوان الذي جرى اقتحامه وحرقه وسرقة محتوياته، بعد احتجاز قيادات الجماعة فيه لساعات، وذلك رغم اتصالات عديدة وتفاهمات سابقة مع «جبهة الانقاذ» بتحييده. حتى سلمية التظاهرات، التي ميّزت حراك المدن في اليوم الأول، لم تنعكس على مناطق الأطراف حيث سقط 8 قتلى وأكثر من 781 جريحاً، وذلك في ظل استقالة 4 وزراء، هم وزراء البيئة خالد فهمي والمجالس النيابية حاتم بجاتو والسياحة هشام زعزوع والاتصالات عاطف حلمي، رفضها رئيس الحكومة، واستقال المستشار العسكري لمرسي سامي عنان وأحد المحافظين.
وسرت شائعات حول استدعاء الرئيس لوزير الدفاع عبد الفتاح السيسي والاجتماع به مع رئيس الحكومة هشام قنديل. «الجزيرة» أكدت الخبر الذي نفته مصادر عسكرية لـ«الأخبار»، في خطوة رأى البعض أنها تدل على ارتباك لدى جماعة الإخوان، خصوصاً بعد نشر الرئاسة صورة لاجتماع قديم بين الرجلين.
ولعل الموقف الأكثر وضوحاً للإخوان من موقف الجيش كان ذاك الذي صدر عن القيادي في حزب الحرية والعدالة ياسر حمزة، الذي قال إن «الجميع يرفضون بيان القوات المسلحة. الحلول ستكون في إطار الدستور». وأضاف «انتهى عصر الانقلابات العسكرية. هذا لن يحدث، ولن تستطيع قوة في مصر أن تغامر بمستقبل البلد»، في موقف كان السبب في اضطرار الجيش إلى إصدار بيان رقم اثنين رفض فيه اتهامه بأنه ينفذ انقلاباً، مشدداً على أنه «يستجيب لنبض الشارع، وغرضه دفع الأطراف السياسية الى حل الأزمة».
وكان الجيش قد أثنى، في البيان الرقم 1، على خروج «شعب مصر العظيم ليعبر عن رأيه وإرادته بشكل سلمي وحضاري غير مسبوق». وأكد أن «من المحتم أن يتلقى الشعب ردّاً على حركته وعلى ندائه من كل طرف يتحمل قدراً من المسؤولية في هذه الظروف الخطرة المحيطة بالوطن». وتابع أن «القوات المسلحة كطرف رئيسي في معادلة المستقبل، وانطلاقاً من مسؤوليتها الوطنية والتاريخية في حماية أمن وسلامة هذا الوطن، تؤكد على التالي: إنها لن تكون طرفاً في دائرة السياسة أو الحكم، وإن الأمن القومي معرض لخطر شديد إزاء التطورات التي تشهدها البلاد وهو يلقي علينا بمسؤوليات، وإن القوات المسلحة استشعرت مبكراً خطورة الظرف الراهن وما تحمله طياته من مطالب للشعب المصري العظيم، ولذلك فقد سبق أن حددت مهلة أسبوع لكافة القوى السياسية في البلاد للتوافق والخروج من الأزمة، إلا أن هذا الأسبوع مضى دون ظهور أي بادرة أو فعل، وهو ما أدى إلى خروج الشعب بتصميم وإصرار وبكامل حريته على هذا النحو الباهر». وأضاف البيان أن «ضياع مزيد من الوقت لن يحقق إلا مزيداً من الانقسام»، وبالتالي «فإن القوات المسلحة تعيد وتكرر الدعوة لتلبية مطالب الشعب وتمهل الجميع 48 ساعة كفرصة أخيرة لتحمل أعباء الظرف التاريخي الذي يمر به الوطن»، و«تهيب بالجميع بأنه إذا لم تتحقق مطالب الشعب خلال المهلة المحددة، فسوف يكون لزاماً عليها، استناداً إلى مسؤوليتها الوطنية والتاريخية واحتراماً لمطالب شعب مصر العظيم، أن تعلن خارطة مستقبل وإجراءات تشرف على تنفيذها وبمشاركة جميع الأطياف والاتجاهات الوطنية المخلصة، بما فيها الشباب الذي كان ولا يزال مفجراً لثورته المجيدة، ودون إقصاء أو استبعاد لأحد».
لم تتوقف الخطوات العسكرية عند بيان الجيش، بل عقد قائد الجيش اجتماعاً عاجلاً مع قادة الأفرع الرئيسية في الأمانة العامة لوزارة الدفاع، فيما حلقت 5 طائرات مروحية حربية مصرية في سماء القاهرة وفوق ميدان التحرير، وقد تدلى منها مرفرفاً علم مصر وأعلام القوات المسلحة، كما حلقت طائرات عسكرية في سماء الإسكندرية. وأعلن مصدر عسكري أنّه تم القاء القبض على 15 حارساً شخصياً للنائب العام لجماعة الاخوان المسلمين، خيرت الشاطر، أمام المقرّ الرئيسي للجماعة وإحالتهم على النيابة العسكرية «بتهمة حيازة أسلحة دون ترخيص»، فيما قالت جماعة الإخوان المسلمين في تغريدة على موقع «تويتر»، إن «بلطجية يحاولون اقتحام منزل الشاطر».
المعتصمون في التحرير تلقّوا البيان العسكري بالتهليل، وأطلقوا الألعاب النارية عقب إذاعة المنصة بيان وزير الدفاع، وصدحت الأغاني الوطنية، وعلت هتافات «الشعب الجيش إيد واحدة». كذلك فعلت أحزاب المعارضة حيث أكد مؤسس حملة «تمرد»، التي دعت إلى الانتفاضة الثالثة، محمود بدر، أن البيان جاء انحيازاً إلى الشعب، مشيراً الى أن المهلة التي أعطتها القوات المسلحة هي «فرصة لمرسي كي يخرج فوراً من الحكم ويفتح الطريق للإرادة الشعبية وتحقيق مطالبها بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة». ودعا المتظاهرين الى مواصلة الاعتصام في الميادين حتى تحقيق المطالب، والاحتشاد غداً في مسيرات سلمية إلى ميدان التحرير وقصر الاتحادية وقصر القبة. جبهة الإنقاذ الوطني عقدت اجتماعاً مسائياً قررت فيه أنه في «حالة طلب الجيش الاجتماع مع الإنقاذ ورؤساء الأحزاب، فسيحمل محمد البرادعي 3 مطالب، أوّلها رحيل مرسي، وثانياً تعيين رئيس المحكمة الدستورية رئيساً بصفة مؤقتة، وثالثاً تعيين رئيس حكومة تكنوقراط محايدة».
وكانت الجبهة أدانت في وقت سابق «كافة ممارسات العنف التي شهدتها بعض المحافظات المصرية»، فيما دعت «جبهة 30 يونيو» جماهير الشعب المصري، التي تحتشد اليوم في مليونية «الإصرار» لاستكمال ثورتها ضدّ سلطة الإخوان، أن يكون احتشادها على شكل سلاسل بشرية تربط ما بين ميدان التحرير حتى قصر الاتحادية. وسوف تمتد السلاسل من أمام مجلسي الشورى والوزراء إلى ميدان التحرير إلى قصر القبة فقصر الاتحادية.
بدوره، دعا حزب «النور» مؤسسة الرئاسة إلى الأخذ في الاعتبار أعداد المتظاهرين والتنوع في توجهاتهم حتى تدرك أن هناك مطالب مشروعة للشعب لا بد من الاستجابة لها، كما طالبها بخطوات جريئة لرأب الصدع بعد سقوط الضحايا.
وتوقع المرشح الرئاسي المصري السابق أحمد شفيق أن ينتهي حكم الإخوان خلال أسبوع، فيما أعربت مؤسسة الأزهر عن قلقها من «اندساس» مسلحين بين المتظاهرين السلميين، ودعت السلطات المصرية الى القبض على هؤلاء لمنع «مواجهات لا يعلم مداها إلا الله».
ورغم إعلان الرئاسة عن مؤتمر صحافي مسائي، غير أن مصادر دبلوماسية قالت إنه جرى إلغائه بسبب رفض كل من المتحدثين باسم الرئاسة، السفير عمر عامر وإيهاب فهمي، الظهور فى المؤتمر.
وكان لافتاً بيان استقالة سامي عنان الذي رأى أنه «بعد عام كامل، لا بد من الاعتراف بأن الآمال جميعاً قد خابت، وأن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية قد وصلت إلى الحضيض، في ظل حكم استبدادي إقصائي غير رشيد، يعمل لمصلحة جماعة بعينها دون النظر إلى الأغلبية الساحقة من أبناء الوطن».
وكان للرئيس الأميركي باراك أوباما موقفه من الأحداث في مصر، حيث دعا «جميع الأطراف الى ضبط النفس». وحثّ، في مؤتمر صحافي في تنزانيا، الرئيس المصري على العمل مع المعارضة وبذل المزيد من الجهد لتنفيذ إصلاحات ديموقراطية. وقال إن المساعدة الأميركية لمصر تعتمد على مثل تلك المعايير.
بدورها، رفضت وزارة الدفاع الأميركية التكهن بما قد يحدث خلال الساعات المقبلة، وقالت إنها لا تزال تدرس بيان الجيش المصري، «لكننا داعمون، مثلما قال الرئيس، للانتقال الديموقراطي». أما الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز فقال «لا نعرف كيف سوف تتطور الأحداث في مصر، ونأمل أن تهدأ الأوضاع قريباً».