نيويورك | يجري الكلام عن نحو من مليونين لاجئ سوري في الدول المتاخمة، وعلى الأخص في لبنان والأردن والعراق وتركيا. والأرقام الحقيقية أكبر بكثير لأن ليس كل اللاجئين مسجلين لدى وكالات الإغاثة. أما الدول الغنية في المنطقة القادرة على المساعدة فتقول إنها تساعد من خارج الأطر الدولية، وهي تحسب بالطبع ما تنفقه على التسليح والتدريب الذي تجاوز حساباتها بكثير.

يوم أمس، بدأت زيارة فاليري آموس، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون الإغاثة لبنان لمدة يومين بهدف التعرف إلى أوضاع النازحين السوريين واحتياجات مستقبليهم اللبنانيين وكيفية تدبر أمورهم. وسبقت هذه الزيارة الكثير من الجلسات والتصريحات المثنية على الدول المضيفة وقدرتها على التحمل في قاعة مجلس الأمن الدولي ومكاتب الأمانة العامة. آموس تتوقع أن يصل عدد اللاجئين المسجلين في لبنان إلى مليون نسمة بنهاية العام إذا بقيت نسبة التوتر في سوريا على وتيرتها الحالية، ولم يطرأ أي تحسن على الوضع. وهي تقدر حاجة لبنان إلى تقديم المساعدة الدنيا للاجئين الحاليين بنحو مليار وسبعمئة مليون دولار من أصل حجم النداء الذي وجّه لهذه الغاية للدول المجاورة والسوريين المحتاجين في الداخل لستة أشهر وقدره 4.5 مليارات دولار. وهو يأتي بعد النداء الأول الذي عقد مؤتمر الكويت من أجله في كانون الثاني الماضي وكان بقيمة مليار ونصف مليار دولار. لكن السعودية والإمارات لم تسددا كامل التزاماتهما منه حتى الآن. ومن النداء الجديد لم تحصل المنظمة الدولية سوى على 15 في المئة.
فاليري آموس ليست مجرد موظفة أممية إنسانية رفيعة المستوى. إنها نائبة بريطانية سابقة ووظيفتها الأممية مستمدة إلى جانب مؤهلاتها، من النفوذ البريطاني الدولي. شأنها في ذلك شأن جيفري فلتمان، وكيل الأمين العام للشؤون السياسية، أو غيره من كبار المسؤولين الذين لا يستطيعون أن يكونوا حياديين تماماً، حتى في القضايا الإنسانية. وعليه فإن البعد السياسي يدخل في الاعتبار الإنساني. ومشاهداتها واستنتاجاتها لن تقتصر على البعد الإنساني وحده. والأزمة الإنسانية الآن بلغت مرحلة لم يحسب لها طرف حسابا في بداية الأزمة السورية. ذلك أن وضع اللاجئين السوريين يختلف عن لاجئي مالي أو الكونغو، ويشبه كثيراً وضع اللاجئين الفلسطينيين في التغريبات المتتالية التي مروا بها منذ عام 1948.
الدول الخليجية، تحديداً، التي تمول الحرب في سوريا على المستويين الرسمي والشعبي، لا سيما السعودية وقطر وإلى حد كبير الكويت، باتت مذعورة من الفشل الماثل أمامها في السعي إلى تغيير النظام في سوريا. ومع طول فترة القتال تشعر بأن فائض ثرواتها بدأ يضمر في وقت تهبط فيه أسعار الطاقة. والأعباء الدفاعية تتزايد وكذلك فاتورة حمايتها في زمن تلتهب الدول المجاورة من اليمن إلى مصر والعراق، ولم يبقَ سوى الأردن مستقر نسبياً. الجمهور الخليجي الذي عبئ وشحن مذهبياً، وجُعلت سوريا هدفه «الأنبل»، لن يتحمل النتيجة السياسية التي تتمخض عن مؤتمرات تعقد في جنيف أو غيرها تنتهي بتسويات. وهذا هو السبب الأول لتشدد السعودية في رفضها مشاركة إيران في الاجتماعات أو في قبول أي تسوية يبقى فيها النظام ممسكاً بزمام المبادرة. كيف سيتمكنون من بيع التسوية لمواطنيهم الذين قاتلوا في سوريا، ولم يعد جميعهم أحياء منها؟ لم تنس تجربة عودة تنظيم القاعدة من أفغانستان بعد. وهم أيضاً يخشون مئات آلاف النازحين القابعين في الأردن ولبنان، ومن تحولهم إلى مخزون عسكري إضافي يغذي روافد سيل التطرف والعنف الذي يعمّ المنطقة.
عدد اللاجئين السوريين اليوم في لبنان يزيد على عدد اللاجئين الفلسطينيين، وفي الأردن قد يكون أدنى نسبياً، لكنه يفوق القدرة على التحمل أو السيطرة. وإذا طالت الحرب فإن الأعداد الحالية ستتضاعف بسرعة بحيث يصبح اللبنانيون والأردنيون أقلية في بلدانهم. أي قوى عسكرية رسمية مسلحة قادرة على ضبط الأوضاع عندها؟ وهل يمكن حصر المسلحين ضمن الحدود السياسية للأردن وعدم انتشارهم شرقاً وجنوباً، كما ينتشرون غرباً وشمالاً؟
هذه المشاغل وغيرها جعلت اتحاد البرلمانات العالمي (أي. بي. يو.) يرسل فريقاً رفيع المستوى إلى الأردن لدراسة الأوضاع عن كثب. الفريق عاد مؤخراً، وخرج في نهاية الأسبوع بتقرير يشدّد على ضرورة الإسراع في الحل السياسي للأزمة السورية لأن الأمور لم تعد تحتمل التسويف.
وأفاد التقرير الذي حصلت «الأخبار» على نسخة منه بأنّ «الوقت أساسي وحاسم في عملية البحث عن تسوية سلمية بالتفاوض للأزمة السورية. فالأمور لا يمكن أن تطول على هذا المنوال».
الأمين العام للاتحاد أندرسون بي. جونسون، الذي ترأس البعثة، قال إنّ الغاية كانت تحريك العمل البرلماني لمعالجة الأزمة الإنسانية المترتبة على الأزمة السورية.
شاهدوا في الأردن أن مخيم الزعتري الذي يضم 120 ألف نازح، بات يشكل خامس أكبر مدينة أردنية. وفوجئوا بالكرم الذي تبديه الحكومة الأردنية على أزماتها المالية والاقتصادية والمائية والغذائية المستفحلة، لكنهم تساءلوا «إلى متى يمكن أن يدوم كرمهم؟».
بعثة اتحاد البرلمانات ستنقل توصياتها واستنتاجاتها إلى البرلمانات المختلفة من أجل التأثير عليها بهدف وضع حد عاجل للصراع في سوريا. وعنصر الوقت كما يشدد أعضاء اللجنة، حاسم. لذلك فإن التحرك سيتم في الأيام القليلة المقبلة.
أما فاليري آموس التي سمعت من قائد اليونيفيل باولو سييرا الأسبوع الماضي كلامه «ليس كل اللاجئين السوريين مسالمين وديعين»، وأن منطقة شبعا وحدها استقبلت آلافاً منهم، فتود الاستماع إلى رأي المسؤولين اللبنانيين ورجال السياسة المختلفين، ولتطّلع منهم على رؤيتهم إلى مدى قدرة لبنان على استيعاب موجات نزوح جديدة في حال تصاعدت حدة النزاع المسلح، داخل سوريا وعبر الحدود. وكيف سيتمكنون من ضبط الأمور ضمن المساعدات الشحيحة التي تصلهم. فالأردن مثلاً تحرك ضد «المتسللين» وقتل منهم. وكذلك فعلت تركيا في بعض الأحيان. ووضع لبنان أكثر حساسية وتعقيداً.