«هرب» آيدول



عندما اصطفت الكراسي البلاستيكية في ساحة من ساحات رام الله لتتابع برنامج «آراب آيدول» على شاشة ام بي سي، تأييداً للمشترك محمد عساف الخارج من عمق الحصار والنار في غزة بصوت جميل ومَلكة موسيقية جيدة، تهافت المنظرون الفارغون من جماعة «الدوشكا» في جرش و«الار بي جي» في بيروت، بالهجوم العنيف على الشاب ومحبيه بتهمة «تشتيت الانتباه عن القضية الفلسطينية»، وما إلى ذلك من «العلاك المصدي»، هذا اذا لم نتحدث عن أصحاب النفَس الأصولي «الوهابي الرائحة» والذين يحترفون كلمة «حرام» أكثر من السلام عليكم.
كما نصّب الكثير من المتفذلكين أنفسهم ممثلين شرعيين للقضية الفلسطينية، ممن رُفعوا وانتفعوا بهذه الشعارات طول مدة جمع «الثروة» الفلسطينية المعروفة إعلامياً لديهم باسم «الثورة الفلسطينية». لم يعرف أحد محمد عساف حين غنى «علّي الكوفية» التي سمعها الكثيرون ولم يربطوها به حتى الآن. ولا بأغان مثل «راجعين يا وطن». لم يعرفه أحد حين كان يغني في المناسبات الوطنية الأغاني الثورية القديمة والجديدة، لأنه لم يرتم في حضن أبو فلان وليس محسوباً على أبو علان. ليس محرماً على الشعب الفلسطيني أن يكون لديه مبدعون، أو فنانون، وليس من الخطأ أن يتابع الشعب الفلسطيني (المصاب بشيزوفرونيا فصائلية طويلة الأمد) ظاهرة فنية.
الكثير من متابعي هذا الفنان ومسيرته التي بدأت في برنامج يهدف الى التكسب الإعلامي، ليسوا من محترفي الموسيقى أو السميعة، بل أكاد اجزم أن الكثير منهم يستحرم الغناء والمزامير ويرون في الموسيقى فساداً للأخلاق. الكل هرب إلى عساف.. لا محبة بالفن ولا لأنه فلسطيني، فالكثير أحب برواس حسين الكردية وزياد خوري اللبناني وغيرهم. الكل يهرب في غزة الى عساف، لأنهم ممنوعون من التنفس بعد قوانين حماسستان، ولعل آخرها «مقياس درجة الرجولة والحفاظ عليها».
الكل يهرب في الضفة الى عساف وصوته لأنهم قد أصيبوا بالإحباط السياسي والاجتماعي المصاحب لارتفاع الأسعار حتى وصل سعر علبة السجائر المحلية الصنع الى 20 شيكل (5.5 دولارات) وعدم وجود رواتب بسبب الحصار الإسرائيلي على المساعدات والتحويلات المالية.
سواء فاز عساف بلقب هذا البرنامج أو خسر، فقد استحق بجدارة لقب «هرب آيدول».
معاذ عابد _ الأردن

غزة بتضحك ليه؟



كم مرة دُرت وبنات الجيران واخوتي في لعبة طاق طاق طاقية، هي بعدد المرات التي حلمنا فيها بابن مخيم يخرج منا، ناصباً علماً في الكون يُدعى علم «فلسطين». كل أصدقائي الذين خرجوا من البلاد حملوا أعلام بلاد أخرى وجوازات سفر أجنبية تحمي حامليها. أما تلك الفلسطينية فقد وُضعت على رف مغبر جاهزة إذا «خطر على بالهم» حنين سيئ المزاج.. ربما الحق معهم، فهويتنا تعني لا للعبور، لا للسفر، لا للاحترام. كنت أفكر كيف تجاوز عساف كل هذا ولمّع هويته مع كل خطوة خارج البلاد! بالأمس خرجنا إلى مقهى لنتابع «آراب أيدول» أنا والعائلة. كان الأمر ممُتعاً: التصفيق الشديد مع كل طلة لعسافنا، البهجة التي لونت وُجوههم مع كل موال أجاده وكالعادة، التهليل.. العناقات التي اشتدت وتيرتها مع آخر خطاب للمذيعة «محمد عساف آراب أيدول للعام الحالي»! وإذ قلبي الذي غاص من التوتر، يرقص مع الذاكرة: طاق طاق طاقية.. عساف عسافنا الهوية!
خرجنا إلى الشارع، لم نكن وحدنا، غزة بأكملها رقصت في الشارع و«علِّي الكوفية»، اغنيته، كانت تصدح من السيارات التي مرت، أخرج الشباب رؤوسهم من شبابيكها هاتفين باسم عساف.. وسيارات توقفت في منتصف الطريق لترقص على صوته!
أي عيد هذا الذي نعيشه؟ لم حضرت أغنية البحر بيضحك ليه في رأسي الذي حرفها إلى «شوارع غزة بتضحك ليه؟»؟.
تمنيت أن لا ينتهي هذا اليوم، وهذا المساء تحديداً.
هل أكتب هنا شعراً؟ لا.. إنها عفوية تُوازي ما قاله عساف «والله ما في كلام يوصف فرحتي واللي في قلبي»!
رائحة الشوارع ما أقربها للقلب! صوّرتها خطوة بخطوة، أحسستُ أنها تهتز ..ت ميل على ايقاع عنابي يا عنابي.. السائق أيضاً؛ خرج عن جموده وتمايل، كنت أشعر بالسيارة ستقف إما يميناً أو شمالاً على جنبها، من شدة الميلان! طيلة الوقت أُحاول أن أتذكر كيف كانت تبدو غزة قبل عساف، نعم.. رمادية ووجوه عابسة، ويأس وبكاء، وأيدٍ تشحذ على الأرصفة رغيفاً أو تبيع المناديل البالية بسعر شيكل أو أقل!
تُصدِّر حصارات، وتستورد مفاوضات بائسة «لا حول لها ولا قوة».. والآن! لا لا مجال للمقارنة أعيادنا الإسلامية والمسيحية والوطنية بجلالة قدرها ليست بنكهة هذا العيد, ولا تُساويه أبداً!
عساف سأُوشوشك «لو حالفني الحظ: أُنادي والديّ بـ: يمّا ويابا.. بفخر أكثر من ذي قبل».
أماني شنينو _ غزة