تعود بي الذاكرة إلى أكثر من 12 سنة، أذكر أن ستي «أُم ناصر» كانت تحب المذيع التلفزيوني «ميشيل قزّي» وبرنامجه «ميشو شو» على قناة المستقبل، وطبعاً بما أني كنت أسكن عند ستّي قسراً، كان عليّ أن أتابع البرنامج معها. يسكت الجميع، يُشغّل تلفاز – أكاد أجزم بأنه الأول من النسخة الملونة – تُحضر «الكمّاشة» (بحسب المعجم العربي: آلة تُنْزَعُ بها المساميرُ ونحوُها) لتستطيع إدارة الزر المكسور الذي يرفع الصوت قليلاً، يُطل «ميشو» بطلّة بهية تفرفح قلب ستي «الحلوة»، و «3، 2، 1، إلك!».


عانيت كثيراً من أغنية البداية التي كانت قد علقت بذهني فترة طويلة «وينك وينك؟ خليلي عينك، على ميشو شو...»، ولكنني تعالجت منها بعد ظهور عدد القنوات المحلية التي أسهمت – مشكورة – بعرض الرسوم المتحركة وإعادة الطفولة إلى ربوع أطفال لبنان، لبنانيين ولاجئين.
كنتُ أشاهد «ميشو» وهو «يتنطنط» على المسرح، دُنيا كانت غير الدُنيا، إضاءة وتصفيق جمهور، صبايا بتنانير قصيرة تفتح صناديق الهدايا، اتصالات ومشتركون ورابحون... ينتهي البرنامج، يُغلق التلفاز، إعلان ستي بعودة كل طفلٍ منّا إلى بيته «عالنوم يا أولاد!»، كانت عندها الساعة لا تتجاوز العاشرة مساءً.
هُنا كانت تأتي لحظة اتخاذ القرار الحاسم، هل أتودد لستي للنوم عندها للتفرج على التلفاز عندما تنام؟ تخذلني ستي ككل مرة «عند خالتك يا إيمان!» أعود إلى بيت خالتي مكسورة الخاطر.
أذكر أن بيت ستي كان الوحيد الذي لديه بطارية كبيرة تضيء بها عتمة البيت. أُقر وأعرف بأنني كُنت جبانة في صغري، كنت أشتهي النوم على ضوءٍ أبيضٍ خافت، كُنت أكره النوم في بيت خالتي؛ لأن بيتها مُعتم، كان ضوء القنديل الموضوع عند باب غرفة النوم يُطفَأ قبل منتصف الليل، كُنت أخاف العتمة كثيراً. لماذا يفرح الخارج بالهدايا والجوائز، بينما كنّا نحن ننام على ضوء قنديل؟ سألت نفسي كثيراً، فلم أجد أجوبة ترضيني، فقررت أن أحب القنديل، أعلّق أمالي على آخر نَفسٍ من المازوت، شاعريٌّ هو القنديل في مخيمٍ لا يعرف معنى للشاعرية.
تركت المخيم وأنا أكبر، فلا حبال غسيلٍ فيه، حتى اعتادت النسوة أن ينشرن فيه غسيلهن على الأسلاك الشائكة، وهي أسلاكٌ وضعت لفصل المخيم عن بُستانٍ فيه ليمون ورمّان، فاخترنا الأسلاك وأكلنا فاكهة حرام، هذا هو المخيم! ذاكرة تكبر معي، تتسلسل في الذهن كفيلمٍ تراجيدي، تجعلني أسأل نفسي: «أكنّا نعاني؟»، يغمر القلب فرحٌ لا يُوصف، وابتسامة على الشفة تتمنى لو أنها تعود سنين إلى الوراء لتعيش المعاناة ألف مرة. تجعلني أدرك بعد كل هذه السنين أنني أحب المخيم أكثر.