القول «شخص سخيف متوسط القدرات مكنته الظروف من أن يؤدي دور بطل» ليس توصيفاً لفرد فقط، بل رؤية فلسفية وحتى نظرية في التاريخ والاجتماع. لذلك، فعبقرية هذا التوصيف مصدرها أيضاً الفقر الفلسفي والتاريخي للتحليلات العديدة الأخرى الصادرة في نفس الوقت عن ذات الموضوع، وأهمها عملان تضمنا رؤيتين مختلفتين نقدهما ماركس تمهيداً لعرض استنتاجه.


الأول، ما يعرف ببيان «نابوليون الصغير» لفيكتور هوغو، الذي رغم «نقده اللاذع والبالغ الإهانة» استند إلى فكرة ذات إشكالية فلسفية عميقة. هوغو كتب أن الانقلاب بدا «كصاعقة في سماء صافية»، ما يوحي أنه جاء دون أي مقدمات موضوعية، وأيضاً وصفه بـ«حدث عنيف قام به فرد واحد»، وهو ما ينفي عن لويس بونابرت بالتالي صفة «الصغير» أو «التافه»، لو كان فعلاً كذلك، لأن هوغو نسب إليه عملاً يتطلب «قوة مبادرة شخصية لا مثيل لها في التاريخ»، كما قال ماركس. طبعاً هذا لا يقلل من قيمة «نابوليون الصغير» كعمل أدبي متميز، على الأقل، وفيه الكثير من الإبداع، كما وصفه البعض وكما هي أعمال هوغو اللاحقة (هوغو يقدم تحدياً معقولاً ونقداً ذكياً لحدود الديموقراطية الليبرالية، اعتراضاً منه على الاستفتاء الذي أجراه نابوليون الصغير وأفضى إلى تأييد الغالبية من الفرنسيين. فالحصول على ملايين الأصوات التي توافق أن 2+2 تساوي خمسة، يقول هوغو، لا يجعل المعادلة صحيحة – ولهوغو، طبعاً، يعود أصل هذا المثل المعروف الذي اشتهر لاحقاً عقب استخدامه من قبل جورج أورويل عام 1984 في معرض توصيفه للتضليل. ديستوفسكي، بدوره، وفي وقت مقارب لهوغو يستخدم المثل في «ملاحظات من تحت الأرض»، على العكس، ليبرر ما يبدو أنه دفاعه عن حرية الفرد حتى في القيام بالاختيار الخاطئ. العمل الثاني هو «الانقلاب» («الانقلاب» كما يبدو مختصر لاسم كتاب «الثورة الاجتماعية في انقلاب الثاني من ديسمبر») لبيار جوزيف برودون، المتعاطف أصلاً مع الانقلاب. فبرغم تأكيد برودون الصحيح بالشكل أن الانقلاب هو نتاج لتحولات تاريخية سابقة، إلا أنّ تركيبه للتاريخ أو سرده للأحداث، وصولاً إلى الانقلاب لم تكن أكثر من «اعتذار تاريخي (وتبرير) للبطل» (كان ماركس سابقاً، في 1845، قد نشر كتابه «بؤس الفلسفة» رداً على كتاب برودون «فلسفة البؤس»، ولهذا يبدو الجدل مع فلسفة برودون في التاريخ استمراراً لما مضى من خلاف).
هنا بالضبط، وفي بداية الفصل الأول من الكتاب تتجلى عبقرية ماركس، ويمكن مَن يعرف جيداً أعمال ماركس السابقة عام 1852 (المصنفة كأعمال ماركس الشاب، الإنسانوي، الهيغيلي)، وخصوصاً مخطوطات 1848 الاقتصادية والفلسفية، أن يلحظ ملامح التحول الفلسفي عنده. فـ«الناس»، يقول ماركس: «يصنعون تاريخهم بأيديهم، لكنهم لا يصنعونه على هواهم ولا في ظروف يختارونها بأنفسهم». هنا بدأ ماركس ينتقل إلى مواقع ماركس المتأخر، البنيوي، والناضج (طبعاً، البنيويون الأرثوذكسيون، مثل لويس ألتوسير، سيصرّون على أنّ ماركس بقي هيغيلياً وإنسانوياً تقريباً حتى النهاية، باستثناء بعض أعماله الأخيرة).

كوارث مرسي: غيض من فيض

الأداء الكارثي لرئيس مصر الإخواني، الذي ينهي عامه الأول، كان محل تعليق الكثيرين ومناسبة الاحتجاج الكبير في الذكرى السنوية الأولى في الآخر من حزيران 2013. «مرسي ارتكب ثلاث كوارث كل منها كفيل بإسقاط النظام»، قال محمد حسنين هيكل في لقاء على قناة «سي بي سي» مساء الخميس 20 حزيران في تعليقه على أداء مرسي في الأسابيع الثلاثة الأخيرة. هيكل في الحوار مع «سي بي سي» استخدم من ضمن توصيفات كثيرة لوصف أداء مرسي في ثلاثة أسابيع فقط ما يأتي: «ما حدث خلال الأسابيع الثلاثة الماضية كان مهيناً جداً لهذا البلد وتاريخه»، وأيضاً «البلد في حالة «انفلات سلطة»، وكذلك «مرسي» يغلب المصالح الضيقة على مستقبل البلد، ثم «مبارك» عالج أزمة النيل بـ«الإهمال» ومرسي بـ«الارتجال»، وأخيراً
«الحوار الوطني» بشأن سد النهضة «عرى مصر».
قبلها بيوم واحد وبدون التعليق على الكارثة الثالثة التي تحدث عنها هيكل، والمتمثلة بقطع العلاقات مع سوريا وإعلان العداء لحزب الله، كتب حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة في «المصري اليوم» أنّ نظام مرسي «فقد الحاسة السياسية»، وأتبعها لاحقاً بمقال آخر معقباً على كارثة هيكل الثالثة يوم 21 حزيران في «مجاهدون أم مرتزقة؟» وصف فيه سلوك مرسي «بالمعيب»، تعقيباً على كلمته أمام قصر الاتحادية قبل شهور، و«بالأهوج (الذي) يصعب تجاوزه» تعقيباً على كلمته في استاد القاهرة قبل أيام. فحين يحضر الرئيس اجتماعاً عاماً كالذي حصل في استاد القاهرة، فهو لا يضفي عليه طابعاً رسميا فقطً، بل يصبح مسؤولاً عن كل كلمة تقال فيه. لهذا، لم تكن الكارثة الكبرى في قطع العلاقة مع سوريا فقط، على غبائها السياسي والاستراتيجي، هذا عدا السخرية المتضمنة فيها – فالمفروض أن يقطع العرب علاقاتهم مع نظام يقيم علاقة مع الكيان الصهيوني، لا العكس. الكارثة الكبرى كانت في ما قيل بحضور رئيس أكبر دولة عربية عن «الجهاد ضد الرافضة» وغير ذلك من حديث الفتنة الغبية – ربما كان لويس بونابرت فعلاً «سخيفاً متوسط المواهب»، لكن لا يبدو أن مرسي بالنظر إلى أدائه حتى الآن «متوسط المواهب» على الإطلاق. فبونابرت الثالث، لم يبدأ كاحتياطي لشاطر فرنسي ولم يخضع لمكتب إرشاد آل بونابرت أو ممثلي الأرستقراطية الفرنسية. لكنه حاول الانقلاب على لويس فيليب مرتين سابقاً (في 1836 و1840)، وبعد انقلابه الثالث في 1852 كانت سياسته الخارجية لاحقاً معقولة، وحتى إنها عززت مكانة فرنسا لولا خطؤه الأخير بإعلان الحرب على ألمانيا، التي انتهت باعتقاله ولاحقاً نفيه.
ولأنه لا يمكن اتهام خبراء ومتمرسين في علم السياسة مثل نافعة أو هيكل بالعداء المسبق لمرسي والإخوان المسلمين، أو الرغبة بإفشال مرسي منذ البداية، أو حتى التشكيك بانحياز أيديولوجي ما قد يكون لديهم على حساب مصريتهم وعروبتهم وخبرتهم السياسية، فإن مصر فعلاً أمام كارثة اسمها مرسي، كما يبدو. على العكس، فنافعة، مثلاً، دافع عن مرسي وطالب إعطاءه فرصة في مقال سابق له بعنوان «خطة إفشال مرسي» قبل عام تقريباً في 6 تموز 2012، وهيكل فعل مثله مراراً. كل هذا ومرسي بدأ عهده بإعلان دستوري انقلابي يمهد لديكتاتورية الإخوان.
لكن مرسي أثبت افتقاده الأصيل، وليس فقدانه كما أشار نافعة المهذب فعلاً، للحد الأدنى من الحاسة السياسية. وذلك صحيح ليس فقط لأن الرئيس الإخواني أثبت عجزه عن «استشعار الأزمات والتحسب لها والعمل على إجهاضها ووقاية البلاد منها قبل أن تقع»، كما تدلّ قضية سد النهضة الإثيوبي والعنصرية الفظة والفضيحة التي طبعت النقاش في «الحوار الوطني» على الهواء مباشرة، أو فضيحة اجتماع استاد القاهرة الذي بُثّ على الهواء مباشرة أيضاً. بل، لأن مرسي يخطئ كلما تكلم ويؤكد أنه لا يصلح حتى أن يكون «رئيساً لمجلس قروي»، كما كتب عبد الحليم قنديل في «القدس العربي» قبل أيام. لكن يجدر القول إنّ الحوار والإجتماع كانا فضيحة للإخوان، لا لمصر التي أنجبت جمال حمدان صاحب «شخصية مصر» وغيره من عباقرة مصر الذين يمكن الرجوع إلى أعمالهم في ما يخص النيل وتاريخ مصر بدل الخطاب الاستعلائي العنصري عن أفريقيا. لا يجب أن نلوم مصر التي أنجبت جمال عبد الناصر العربي المسلم الذي رأى في الوحدة ضرورة يقتضيها التاريخ والجغرافيا والسياسة والاقتصاد والاجتماع ومصلحة الأمة، وليس فقط حتى مجرد رغبة شخصية أو نزوع أيديولوجي أو أخلاقي (فيما كان مرسي يوقع رسالته إلى صديقه «العظيم» شمعون بيريز، كانت قوى صهيونية عديدة تشتري عدداً كبيراً من صكوك تمويل السد من السفارة الإثيوبية لدى الكيان، والكارثة أن الرئيس المصري كان على علم بذلك، كما كتب أحمد رجب هنا في «الأخبار» في 14 حزيران).
للمقارنة فقط، وفي معرض الحديث عن الحاسة السياسية، هذا بعض من انطباع كمال جنبلاط عن شخصية الشاب جمال عبد الناصر في اللقاء الأول معه كما ورد في مقدمته لكتاب جاك دومال وماري لوروا «عبد الناصر: من حصار الفالوجة حتى الاستقالة المستحيلة». يقول جنبلاط، «وأذكر أن أبرز ظواهر القائد الثوري الشاب آنذاك كانت هي الوداعة والبساطة والصراحة المقرونة بحدس استنتاجي لعواقب الأمور، وبداهة سريعة في الانتقال من الأسباب إلى النتائج وحس ارتقاب لردود الفعل والتجاوب عند الآخرين». وهذه فقط شهادة واحدة من شهادات عديدة تضمنها الكتاب عن الرئيس الشاب الذي كان في الثلاثينيات من عمره فقط – ربما لهذا السبب الوجيه قام الراحل سهيل إدريس بنشر الكتاب الموجه أصلاً للجمهور الفرنسي مترجماً إلى العربية.

خاتمة: إخوان ضد التاريخ وضد الجغرافيا

كان جمال عبد الناصر قائداً عظيماً لأنه كان مدركاً جداً لمكانة مصر ومحيطها ومعنى الجغرافيا والتاريخ والمكان والزمان. كان الرئيس الذي يستحقه بلد عظيم بمكانة وحجم وتاريخ وموقع مصر. حين تقرأ «مصر ورسالتها» لحسين مؤنس، مثلاً، وهو أحد الأعمال المهمة الكثيرة التي أنتجها عباقرة مصر عن تاريخ مصر ومعنى التاريخ والجغرافيا والمكان والزمان والنيل ستبدأ بقراءة مقدمة فذة كتبها حينها الرئيس الشاب جمال عبد الناصر للكتاب القيم، فتعرف أنه لم يكن مجرد رئيس هاوٍ، أو سياسي طامح، بل كان ثائراً حقيقياً وصاحب مشروع وفكر ويعرف جيداً ماذا يفعل. وحين تقرأ أغلب الكتب القيمة والمهمة التي كتبت عن تاريخ وجغرافيا مصر سترى أنها إما نُشرت أو تم تحضيرها في فترة عبد الناصر (مثلاًَ، جمال حمدان، «شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان» حسين مؤنس، «مصر ورسالتها» محمد شفيق غربال، «تكوين مصر عبر العصور»، صبحي وحيدة، «أصول المسألة المصرية» وحسين فوزي، «سندباد مصري» من ضمن مئات الأعمال العبقرية الأخرى عن تاريخ المحروسة). لذلك يبدو أن التحدي الكبير الذي تواجهه مصر في موضوع سد النهضة الإثيوبي هذه الأيام بحاجة إلى قائد من طراز عبد الناصر.
ما لا يعرفه مرسي وعرفه عبد الناصر هو ما قاله قبل أيام الناصري حمدين صباحي في مقابلة صحفية: «مصر عندما تُجرَّد من دورها لا تستطيع أن تستقر، ودورها ليس مسألة إرادة يحددها حاكم أو جماعة، فهي مستعصية على تقييد دورها أو كبحه أو تدجينه أو تحريكه، وأعتقد بأنها تعرّضت لكل هذه المحاولات. نعتقد دائماً بأن دورها هو نتاج الجغرافيا والتاريخ. مصر لا تستطيع أن تفلت من موقعها في الجغرافيا ولا دورها في التاريخ».
ولو عرف مرسي ما هي مصر حقاً وكيف كان يفكر عبد الناصر ومعنى ما قاله صباحي وما دأب على قوله عباقرة مصر في مئات كتب التاريخ والجغرافيا والسياسة، لما قال ما قال في مهرجان الكراهية في استاد القاهرة، ولما سمح لما قيل في حضوره أن يقال، ولربما ما حصلت المجزرة البشعة في زاوية أبو مسلم في الجيزة والقتل والسحل على المذهب. وأيضاً لعرف جوهر مشكلة الإخوان ومعنى وسبب أزمتهم الراهنة.
مشكلة الإخوان ليست ضعف الخبرة والجهل فقط، ولا غيرهما من عشرات الأسباب المشابهة التي بدأوا هم أنفسهم يتحدثون عنها. مشكلة الإخوان وفكرهم، أنهم يظنون أن بإمكانهم معاندة التاريخ والجغرافيا. لم يتعلموا شيئاً من درسي السادات ومبارك من قبلهم. لكن، ليس القصد هنا أن ما فعله ويفعله مرسي والإخوان هو انقلاب على مشروع عبد الناصر العربي، بل إنه انقلاب على الثورة وانقلاب على مصر. انقلاب لا يبدو أكثر من محاكاة كاريكاتورية لانقلاب سابق قاده السادات/مبارك على مكانة وموقع ودور مصر وعلى مشروع عبد الناصر وعلى الجمهورية المصرية الأولى، لكن هذه المرة بحلة إخوانية متأسلمة. بهذا المعنى، وهذا المعنى فقط، يبدو مرسي بانقلابه على الثورة وعلى الجمهورية الثانية نسخة هزيلة ومشوهة من السادات/مبارك اللذين انقلبا على الجمهورية المصرية الأولى وعلى مشروع ناصر العروبي. حقاً، إنها الملهاة بامتياز.
* كاتب عربي




فرنسا 1851 مصر 2013

في الرابع والعشرين من شباط 1848 خلع الثوار الفرنسيون الملك لويس فيليب الذي هرب بدوره إلى انكلترا. لكن الثورة تعرضت للانقلاب عليها وعلى الجمهورية الثانية التي نتجت منها، والتي أُعلنت عقب هروب ابن فيليب بيومين، وتم إعادة تأسيس الملكية على يد لويس بونابرت هذه المرة، وهو ما وصفه ماركس في «الثامن عشر من برومير لويس بونابرت» بالملهاة أو المهزلة، لكونها تكراراً لمأساة انقلاب نابليون بونابرت العم على الجمهورية الأولى، لكن هذه المرة من قبل ابن الأخ التافه. اللافت أن لويس بونابرت كان قد وصل إلى السلطة أصلاً كرئيس للجمهورية الفرنسية وبالانتخابات الديموقراطية التي أعقبت الثورة وبتأييد من بعض الثوار أنفسهم في 10 كانون الأول 1848 (الغالبية الساحقة من الأصوات جاءته من فلاحي فرنسا)، لكنه انقلب على الثورة وعلى الجمهورية الثانية الناشئة بعد أقل من أربع سنوات (في الثاني من ديسمبر 1851)، فقام بحل المجلس التشريعي ومجلس الدولة واعتقل عدداً كبيراً من النواب، وأعلن الأحكام العرفية ونفى الزعماء الاشتراكيين والجمهوريين. وفي 14 كانون الثاني 1852 أقر دستوراً جديداً يحصر السلطة كلها في يد الرئيس، ممهداً بذلك لإعلان نفسه إمبراطوراً بعد أقل من سنة في كانون الأول 1852.
هذا في حالة فرنسا 1848-1851. أما في مصر 2011-2013، فالسيناريو الغريب الذي أوصل مرسي إلى موقع عريق شَغَلَهُ رئيس العرب جمال عبد الناصر يدفع وحده وبعيداً عن أدائه الكارثي وإعلانه الدستوري الانقلابي، وبإغراء شديد الآن، لاستعادة توصيف ماركس للويس بونابرت كـ«شخص سخيف متوسط المواهب [مكنته الظروف] من أن يؤدي دور بطل». فمرسي بدأ أصلاً كمرشح احتياطي للاخوان المسلمين ثم صعد إلى الموقع الأول بمحض الصدفة، بسبب رفض لجنة الانتخابات ترشيح خيرت الشاطر. ثم انتقل مرسي لاحقاً إلى المواجهة الفاصلة مع مرشح فلول نظام مبارك محمد شفيق (ما سُمي حينها السيناريو الكابوس) وهو ما أجبر الكثيرين من القوى الثورية لدعم ترشيحه والتصويت له رغم اختلافهم الكبير معه خشية انتكاسة الثورة بعودة رجل مبارك. وفي النتيجة، حصل مرسي على الأصوات التي جعلت منه رئيساً لمصر.
لكن مرسي أثبت من خلال أدائه في السنة الأولى من رئاسته، وفي الشهر الأخير تحديداً، أنه يفتقر إلى الحد الأدنى من الحاسة السياسية المطلوبة لرئيس أهم دولة في المنطقة. فليس في كل هذا السيناريو، غير الخلافي كما أظن، ما يوحي بجدارة (سياسية أو تنظيمية أو فكرية، ولا أريد أن أقول شخصية) أهّلَت مرسي لما انتهى إليه، إنما هي ظروف المرحلة الانتقالية والظروف المحلية والإقليمية والعالمية. نضيف إلى ذلك، أيضاً، مفاعيل المصادفة: في إحدى رسائله إلى لودفيغ كوغلمان في 17 نيسان 1871، كتب ماركس أنه «قد يكون حقاً من السهل جداً صنع تاريخ العالم لو كان النضال لا يقوم إلا ضمن ظروف لا يشوبها أي خلل وتؤدي حتماً إلى النجاح. وسيكون للتاريخ طابع باطني (صوفي) جداً لو لم تلعب المصادفات أي دور. وهذه المصادفات نفسها تقع في المجرى العام للتطوّر، ويتم تعويضها بمصادفات أخرى. لكن التسارع أو التعطيل (في إنجاز الهدف) يعتمد كثيراً على هذه المصادفات التي تتضمن (في ما تتضمن) مصادفة شخصيات أولئك الذين يقفون على رأس الحركة في البداية». اللافت أيضاً أن تشابهاً كبيراً يجمع بين وصول كل من مرسي ومبارك للسلطة بالصدفة، إذا غضضنا الطرف عن التشابه في السياسات من الحفاظ على اتفاقية كامب ديفيد، لحصار غزة وهدم أنفاقها، إلى سياسات اقتصادية نيوليبرالية ربما كان مبارك نفسه لن يجرؤ عليها.