الهرمل | السباق بين حلّ سلمي في القصير يحافظ على المدنيين والمدينة، ويمهّد ــ عبر تقليل سيلان الدم ــ للمصالحة الأهلية ما بعد الأزمة، انتهى أمس ببدء الهجوم المتوقع على المدينة المحاصرة. قبله كانت إشارات واضحة تشير إلى تعطل طريق هذا الحل، ولو أن الوساطات الأخرى التي أُجريت حتى اليوم أمّنت خروج الكثير من المدنيين.

هاتف الدكتور علي زعيتر، أحد أهم الوسطاء بين مقاتلي القصير والدولة السورية، يعطي باستمرار أنه مشغول. ابن القصر المجاورة لمدينة الهرمل المشلولة بتساقط ستة صواريخ عليها أمس، أُضيفت إلى 19 قذيفة أخرى سقطت عليها منذ بداية المعارك، انتدب نفسه لمهمة وساطة أساسها أولاً، حبه لهؤلاء الأقرباء في الجهة الأخرى من الحدود، وحرصه على الأهل في هذه الجهة منها، وعلى مستقبل المنطقة التي لا مناص لها من التعايش. ساعده في ذلك علاقاته المتينة والمتشعبة والثقة التي يمحضه إياها الناس على ضفتي الحدود، ومعرفة بالجغرافيا الحقيقية للمنطقة، وهي جغرافيا واقعية لا تعترف بتقسيمات سايكس بيكو.
والوسيط الذي كان يقوم بالتواصل مع المقاتلين في القصير عبر «السكايب» تارة، وعبر الهواتف تارة أخرى، بدا متوتراً توتر المتابع على «الجبهة»، حين رد علينا أخيراً؛ فهو عاكف منذ أمس على محاولة التخفيف من «الخسائر» بين الجانبين؛ لأنه يعلم، كلبناني عاش الحرب الأهلية، وكابن للمنطقة أن التقليل من الدم المهدور سيصنع أرضية قابلة للمصالحة ما بعد الحرب.
«من امبارح (السبت) ما عم يردوا أبداً. البي بي سي قالت إنهم عم يتواصلوا معي، بس أنا ما حدا تواصل معي من مبارح للأسف. عم نحاول بس ما في جواب وناطرين»، يقول الرجل الذي كنا قد قابلناه في بيته في الهرمل قبل أن نقفل عائدين إلى بيروت عشية الاقتحام.
يبدو صوت الوسيط المخلص غير سعيد من تشدد الجهتين: «مبارح الصبح (السبت) حاولنا كمصلحين وبدون أي تشاور مع الجهات الرسمية نعمل وفد كبير من طائفة المرشدية ومن مسيحية وإسلام من حمص ومن الهرمل وجوار القصير حتى نوقف الحرب ونتسلم القصير ونأمن خروج الناس، بس ما مشي الحال».
قبلها، أي يوم الخميس الماضي حين كنا في الهرمل، وصلت رسالة إلى د. زعيتر الذي كنا نزوره لمتابعة موضوع الوساطات، من د. قاسم زين، المفاوض من الجهة الثانية عبر السكايب، هذا نصها: «كنا قد بدأنا بتشكيل لجان الحوار كما اقترحتم، تم تشكيل لجنة من ضباط متقاعدين ومهندسين ومحامين وأطباء وضباط منشقين، وأقنعتهم بإنهاء المظاهر المسلحة ومتابعة النضال السلمي وخروج كل الأسلحة الثقيلة ووقف إطلاق النار، لكن للأسف لا يبدي النظام أي نية حسنة. قصفوا القصير وإحدى القذائف قتلت الشيخ مهدي عباس (أحد مساعدي لجنة المصالحة). أهذا هو الحوار الذي تدعون إليه؟ فإذا كان النظام غير جاد، فلنتابع نضالنا والنصر حليف المظلومين. أليست هذه مبادئكم؟».
هزّ الرجل يومها برأسه آسفاً، ويقول: «طبعاً وقعت قذيفة وقتل الرجل، واتهموني بأني تسببت بقتله»! وماذا سيفعل؟ قال: «طبعاً سأتصل بالمفاوض للمفاوضة حول الفكرة الآتية: إنو يا خيي النظام شكلو بدو يستمر بالضغط، خذوا قراركم بسرعة لنقدر نساعدكم». لكن التواصل انقطع في ما بعد.
إلا أن د. زعيتر بدا أمس مطمئناً إلى مصير المدنيين، وهو يعتقد أن نسبة الأطفال والنساء الذين لا يزالون في المدينة المحاصرة لا تتعدى عشرين في المئة ممن كانوا موجودين قبل الحرب. فهم كانوا يخرجون بدون أي مشكلة عن كل الحواجز العسكرية النظامية، كما قال.
لكن، ماذا عن المدنيين الآخرين من غير الأطفال والنساء؟ أليس هناك من مواطنين لا يريدون البقاء؟ يقول: «بلى. السبت (ما قبل) الماضي كانت هناك محاولة لإخراج المدنيين ممن يرغبون من القصير. وأمنت الدولة مسلكاً آمناً، وفي اللحظة الأخيرة تعرقل الموضوع؛ لأن مقاتلي القصير أحسّوا بأنه إذا تركوا جميع المدنيين، فسيكون ذلك كما لو كانوا يشجعون الدولة على قتلهم». ولكن، ألم يكونوا يعلمون بذلك قبل قبول التفاوض؟ يقول: «بلى، ولكنهم لم يتصوروا أن كل الناس يريدون الخروج. عندها رفضت المعارضة خروجهم لئلا تصبح هدفاً نظيفاً. فقلت لهم: يا عمي، إذا لم ينفذوا الاتفاق (النظام) رح كلبج حالي مع واحد منكم وبفوت بقعد رهينة بالقصير حتى يُطبّق الاتفاق. هذا الطرح لم يردوا عليه بداية، وبالتالي فشلت الخطوة».
وماذا عن الدولة السورية؟ يقول: «هلق في طروحات الدولة رفضتها أيضاً. يعني مثلاً تتمثل الدولة بقوات الشرطة، وممنوع دخول الجيش، وتفتح كل مؤسساتها وإلغاء المظاهر المسلحة. لكن الدولة لم تقبل».
ولكن ما هي مسودات الاتفاق أو مشاريع الحلول التي طرحت في اليومين الأخيرين؟ يقول الرجل: «أولاً، وقف إطلاق النار. ثانياً، كل مواطن يريد البقاء في القصير يجب أن يلقي السلاح. ثالثاً، كل مواطن لا يرمي السلاح لديه حل من اثنين: النزوح عن المنطقة، أو المواجهة مع الدولة. رابعاً، تعود مؤسسات الدولة إلى سابق عهدها (وخاصة لجهة التزويد بالسلع المدعومة)، في تقديم الخدمات للناس. خامساً، احتمال التعويض لإعادة إعمار ما دمر».
نسأله: لكن ما الذي كان يضمن له «وحدة» كلمة المعارضة في موضوع القبول بالحل السلمي؟ فمن المعروف أنهم مختلفون، تماماً كما كانوا قد اختلفوا مرة على موضوع وساطته لإخراج مدنيين، ثم حذره فريق منهم من القدوم لئلا يتعرض للأذى، يقول: «صاحبة القول الفصل هي كتائب الفاروق». أما بالنسبة إلى الدولة، فهو يتكل على إيجابياتها البديهية، أي إنها «قابلة للحلول المختلفة حرصاً على وحدة سوريا وسلامة أراضيها». كما يقول.
وبحلول اليوم أو الغد، من المتوقع أن تكون الدولة قد بسطت سلطتها على كامل مدينة القصير، إلا إذا حصلت تطورات ما، بسبب وجود ما يقارب «ألف مسلح أجنبي» فيها، بحسب ما ردّد مطّلعون على وضع المدينة السورية المحاصرة منذ ما يقارب أسبوعين، قد يكون وجودهم أدى دوراً في تعطيل التوصل إلى حل بين المقاتلين والدولة السورية، برغم نفي المقاتلين لذلك، حسب ما فهمنا من الوسطاء.
ويؤكد آخرون أن ما عطّل الحل السلمي هو «الاتصالات الخارجية» للمقاتلين، أي بمعنى الارتباطات. ويتوقع المراقبون أن تنتهي معركة القصير بين 24 و48 ساعة. وماذا عن نشاط الوسطاء بعدها؟ يقول الرجل: «أنا بخدمة الجميع، كان الأحب إلى قلبي لو نجح الحل السلمي، ولكن بكل الأحوال إن كان باستطاعتي ترتيب الأرضية للمصالحة على الأرض، فهذا هو الأحب إلى قلبي».