لا تحب شهر أيار، لكنك تنتظره... بأصابع مرتجفة ومشتاقة تنزع أوراق التقويم السنوي على حائطك... تخبر أصدقاءك أنك اليوم بلغت ورقة الثلاثين من نيسان، وغداً هو الأول من أيار الذي لا تحبه، ومنذ الغد ستبدأ بالعد التنازلي لليوم الذي سيزيد فيه عمر نكبتك عاماً، ويزيد عمرك أنت عاماً أيضاً.

هذا العام ستبلغ من العمر خمسة وستين عاماً، رغم أن شهادة ميلادك لا تبوح إلا بستة وثلاثين... هو ليس خطأ في الحساب، تقول لنا، فعمر الفلسطيني من عمر نكبته، ربما لأن نكبة عام 48 شأن شخصي لكل فلسطيني، من شهدها منهم، ومن ولد بعدها... وفي الغالب صار اليوم عمر الفلسطيني من عمر نكبته، بعد أن غدرت به المدن، وتركته على حدودها، كما خرج من فلسطين قبل خمسة وستين عاماً.

هرمت في أيار هذا العام. صار عمري خمسة وستين عاماً من الانتظار، منها تسع وعشرون عاماً أورثني إياها أبي، وقد عشت فوقها ستة وثلاثين عاماً. ثمة من قال لي إننا نحن الفلسطينيين أنصاف مجانين وأنصاف عقلاء، فهو لا يعرف معنى أن نورث الانتظار في حيواتنا بعضنا لبعض، وكثير من انتظارنا ينضح بالمرارة. قلت نحن أنصاف مجانين وأنصاف عقلاء ربما، لأننا كلما سوّرنا العالم بالموت، سوّرناه نحن بالحياة... وإلا ما معنى أن ندفع الموت عن الناس بالمخيم، ويدفعون هم بالموت إلى المخيم؟!
أمام المرآة أدقق في ملامح الشباب في وجهي.. لا شيء فيه يؤكد أني هرمت، لكن ثمة ما يجعلني على حافة الموت، أفتح نافذتي لأسأل الناس حولي: كم لبثت؟! فلا أرى المخيم حولي. قاسية كانت الدروب بلا ناسها، موحشة كانت البيوت بلا جدران.
قلت لنفسي: على ماذا بعدها، ستكتب الوعد الفلسطيني «عائدون»؟!
من بعيد ألمح شبحاً يمر... أناديه: أيا أنت.. كم أنا لبثت..؟! لا شيء سوى رجع صدى صوتي، يعود ليسألني: أيا أنت.. كم أنا لبثت..؟!
أتفقد ملامحي، أقول يا صدى صوتي لم أمت بعد. لكنني لا أعرف كم عشت، وكم لبثت...
لا شيء في المخيم حولي يشبه ما تركته قبل أن أنام، ولا أنا الآن أشبه ما استيقظت عليه في المخيم.. لعلي لبثت الدهر كله، فأدركتني الساعة، وها أنا أقف الآن يوم الحساب: أنا ابن الحاجة عزيزة العلي (هكذا ينادى على المرء يوم القيامة باسم أمه)، لي بلدة هناك، ضائعة بين الحدود الفلسطينية السورية اللبنانية، ضوعني شوقي لها هنا، فاخترت المخيم متراساً وملجأً.. أنا الميت كما أرادني عدوي، وكما يريدني اليوم صديقي، أنا المتروك على أبواب المطارات، والمستثنى من كل بطاقات السفر. أنا المزروع على المنابر وخطابات العرب.. المنسي في أدراج قراراتهم.. لم أشأ من العالم سوى موضع قدم لي ولحقيبتي، لأعود بعد قليل إلى فلسطين.. ولم أخطئ حين رتقت عينيّ بالحدود، ونسيت نفسي إلى مائدة الحياة، فعشت، وأحببت وحلمت.. ولكنني أشهد أني ما نسيت يوماً أني مؤقت... وإلا ما معنى أن يبقى اسم المخيم مخيماً، وسط غابة الباطون هذه.
لم أنهض عن مائدة الحياة بعد، لكنني لا أعرف كم لبثت، أيار يقول إني لبثت بمقدار ما هرمت، ودمار المخيم حولي، وصدى صوتي، يقول ما أطول ما لبثت. أنادي الأسماء التي أعرفها في المخيم فلا يأتيني سوى صدى الأسماء.. هاني عباس يرسم المخيم في بيروت، فراس في مرسين لاجئ للمرة الثانية ينتظر من سيمنحه اللجوء الثالث، حسام في ألمانيا يشاكس الغربة فيسمي ابنته «فلسطين»، جلال أيضاً في بريطانيا يختار لابنته اسم مدينة فلسطينية، زياد ورائد وطارق نازحون في متاهات دمشق وعذاباتها، علي وشاهر وغسان ووليد وهاني يبنون في دبي أبراجاً من الحنين.. ووسام لاجئ في ماليزيا، وبتول تأخذني بشوقها وتتركني عند حاجز النظام، ليقتلني خوفي عليها ما بعد حاجز المعارضة.. وما بعد الحاجز والحاجز، تأخذ القذيفة شادي، وتنساه في قبر لا نعرف حتى الساعة أين هو، تجرح سعيد علي، وتغيّب فادي عن السمع... صار مخيم اليرموك مدناً وأسماءً وحواجز وقبوراً نعرف أصحابها ولا نعرف مكانها.. صار المخيم فكرة وتاريخاً وحنيناً وذاكرة في رأس أبنائه وصفحات على فايسبوك، بعد أن كان جغرافيا نعيش فيه كما لو أننا نعيش أبداً، ونستعد لمغادرته كما لو أننا سنعود إلى فلسطين غداً.
لا أعرف كم لبثت.. لكني حين صحوت، قال مخيم اليرموك لي: لا تسأل كم لبثت، لم أزل أحب الحياة، ولكني لا أستطيع اليوم إليها سبيلاً... فاخترعتها ما بعد الحاجز والحاجز.. وغافلت القذيفة لأمررها من بيت إلى بيت، وكلما هدأ القصف أخرج لأفرد لها مساحة بين الدمار.