القامشلي | حصد قصف جوي لقوات النظام السوري أخيراً، 16 مدنياً، بينهم ثلاثة أطفال وسيدتان، في قرية «حداد»، جنوب مدينة القامشلي. وبحسب شهادات محلية، كانت مجموعات مسلحة تابعة لـ«الجيش الحر»، تتمركز في احدى محطات تسخين النفط في القرية، ذات الغالبية الكردية، «وأثناء قيام طائرة حربية بقصف نقاط تمركز المسلحين، سقط قرويون خلال فرارهم من القرية».

هذه «المجزرة» جاءت بعد يوم من قصف النظام نحو تسع قرى جنوب القامشلي، وذلك بعد اشتباكات دامت ساعات بين قوات النظام المتمركزة في «الفوج 154» على أطراف المدينة وكتائب معارضة مسلحة قدمت من ناحية «تل حميس» الواقعة تحت سيطرتهم.
في ردود فعل الأكراد السوريين على اقتراب المسلحين من المنطقة، التي يعدّونها «خطاً أحمر»، وكذلك على قصف النظام للقرى الكردية، استمر قياديو «المجلس الوطني الكردي» المقربون من أربيل، في إطلاق تصريحات «الشجب والتنديد»، فيما حافظت وحدات الحماية الكردية (YPG)، الذراع العسكرية للاتحاد الديموقراطي الكردي (PYD) على صمتها، في موقف تبدو فيه في مرحلة إعادة الحسابات. المتابع لآخر تصريحات رئيس الاتحاد الديموقراطي، صالح مسلم، يخرج بأن الحزب يحاول أن يكون أكثر براغماتية في اختيار «عدوه»، أيّ عليه اختيار مواجهة أحد «العدوين»، اللذين يتعاركان في ساحته، المتمثلين بالنظام والموالين له من جهة، والكتائب المسلحة من جهة ثانية.
ويحاول الاتحاد الديموقراطي قدر إمكانه الابتعاد عن الصدام مع النظام في مواجهات من شأنها استنزاف قوته، وتحويل المدن الكردية إلى «تراب»، وما ينتج من ذلك من تهجير للسكان كما حدث في حلب (نزح نحو150 ألف كردي سوري إلى منطقة عفرين). وذلك عملاً بمبدأ أنّ «النظام زائل في المدينة... فلم العجلة؟!». لكن هذا لا يعني القبول بتحويل مناطق نفوذه إلى ساحة صراع مسلح بين قوات النظام والكتائب المسلحة. فالمواجهات العنيفة الجارية بين جيش النظام وقوات (YPG) في حيّي الأشرفية والشيخ مقصود بحلب، تظهر مدى تمسك الجانب الكردي بقيادة مناطقه، ذلك في موقف بدا يذهل الرأي العام الكردي السوري، المتسائل بملء الفم: «مع من يقف PYD؟».
قبل أيام، قتل ثلاثة من عناصر الوحدات الكردية، بينهم قيادي، برصاص حاجز تابع للنظام بالقرب من مطار القامشلي. الأكراد أجابوا النظام بقتل ستة من عناصره وأسر آخرين، وذلك بعد السيطرة على حاجز النظام الوحيد الذي يربط القامشلي بمدينة المالكية (ديريك). مصدر من وحدات (YPG)، أفاد «الأخبار»، بأنّ النظام يرفض، حالياً، الانسحاب من القامشلي «كما فعل في المدن الكردية الأخرى». ويبدو أن المفاوضات الأخيرة بين الكردستاني وأنقرة، ومن بعدها مواجهات الشيخ مقصود والأشرفية قد «خلطت بعض الأوراق» على حد قول مطلعين. في المقابل، علمت «الأخبار» أنّ وحدات (YPG)، هي التي سمحت للمسلحين بالوصول إلى «الفوج 154»؛ إذ تلقت الحواجز الكردية «أوامر بعدم اعتراض المسلحين»، في موقف يبدو أنه جاء لجس نبض رد فعل النظام، فيما يقول موالو الوحدات الكردية إن «هذه المواجهات كبدت الجيش النظامي والمسلحين عشرات القتلى».
ويرى مراقبون أنه رغم غياب الثقل العسكري للنظام في القامشلي، حيث تسيطر وحدات (YPG) على معظم أنحاء المدينة وريفها، وبالرغم من أن «سقوط النظام سيكون في دمشق وحمص وحلب»، إلا أن تركيا تدفع بهؤلاء المسلحين لجرّ الأكراد إلى «مستنقع الحرب»، وتالياً، إن هدف «الهجوم ليس تحرير المدينة من النظام بقدر ما هو السيطرة عليها لتحقيق أهداف تتعلق بأجندات اقليمية تهدف إلى السيطرة على النفط والحدود، وكذلك تحجيم دور الأكراد». وفي تصريح أخير، لفت صالح مسلم إلى أنّ «الجيش الحر لا يعترف بالوجود الكردي إلى الآن»، وتالياً، إن الأكراد، أيضاً، «لن يعترفوا بأي تنظيم لا يعترف بهم».
والملاحظ أنّ هناك الكثير من الأكراد السوريين ممن يشعرون بالامتنان للوحدات الكردية، ولا سيما بعد تصديهم للكتائب المسلحة في رأس العين (سري كانيه). في مقابل ذلك، ينتقد آخرون سلوك الحزب لفرض سياسته وعقيدته على المناطق التي يديرها. ذلك فيما يتهمه طرف ثالث بالتعامل مع النظام و«التشبيح» لمصلحته. وعلى هذه النقطة، يعلق مصدر كردي في القامشلي بأن «الحزب لا يعمل عند أي جهة ولا يخدم إلا الأكراد ومصالحهم». ويضيف المصدر لـ«الأخبار»، أنّ «في هذه الظروف ليس هناك طرف بريء سوى الشعب... النظام يقتل الشعب، والمعارضة أيضاً تقتله... إنه مستنقع حرب، والذي يقول إنّ للحرب قوانين يخدع نفسه». ويمضي المصدر بالقول: «أميركا تبحث عن مصالحها كما تفعل روسيا، وحين تتدخل تركيا ستتحرك إيران بالضرورة.. وفي المحصلة «الإخوان» ليسوا إلا الوجه الآخر للبعث». ويختم: «نحن شركاء من يعترف بنا وبحقوقنا المشروعة».
وتنقل تقارير مخاوف من اشتباكات بين الكتائب المسلحة وقوات (YPG)، ذلك بعد تهديد الكتائب باستهداف مقارّ النظام وكذلك مراكز الـ(YPG) في القامشلي، توضح مصادر كردية لـ«الأخبار» أن «النظام سيترك المنطقة الكردية عاجلاً أو آجلاً... لذا، إن معركتنا هي مع المحتلين الجدد (الكتائب المسلحة)». ويلفت المصدر إلى أنّ هذه الكتائب «لم تدخل منطقة في سوريا إلا وسبّبت دمارها ونهبها وتفريغها من سكانها». ويتابع: «هناك 13 مركز مدينة تابعة للمحافظات تحت سيطرة النظام، فإن كانت غايتهم التحرير، فليذهبوا ويحرروها». ويضيف: «أريد أن أسأل المعارضة السورية.. ماذا يفعل سلفي مصري في محافظة الحسكة السورية؟».
المشهد المتوتر في ريف القامشلي مُعرض للانفجار في أيّ لحظة، إن كرّرت الكتائب عمليتها في المدينة. وبناءً عليه، يتوقع أن ينهار الاتفاق الأخير الذي وُقّع بين الوحدات الكردية والكتائب المسلحة في رأس العين (سري كانيه). ولا سيما أن مسلحي «جبهة النصرة»، المدفوعين من تركيا وقطر، يحومون حول حقول النفط الواقعة تحت سيطرة الأكراد. وفي هذا السياق، يرى متابعون أنه إذا حدث ذلك، فمن المتوقع أن تُفتح جبهات أخرى بينهم في مناطق تل كوجر (اليعربية) وتل أبيض والرقة، وربما ريف حلب، وهو ما «سيريح النظام مع استنزاف قوة الجانبين»، ولا سيما أن الوحدات الكردية «لديها أكثر من 30 ألف مقاتل» منتشرين على الشريط الحدودي مع تركيا والعراق.