إنّها الديموقراطية من جديد، وعنوانها في هذه المواسم طبعاً هي البلدان العربية. آخر الإضافات في هذا الإطار مؤشّر الديموقراطيّة لعام 2012 الذي أعدّته وحدة مجموعة «إكونومست» للأبحاث (EIU) ونشرته أمس. يُظهر التقرير المدمج، الذي يشمل 167 بلداً ومنطقتين، أنّ الديموقراطيّة في العام الماضي تراجعت في 40 بلداً، تحسّنت في 54 بلداً وبقي مؤشّرها ثابتاً في 73 بلداً.
وفي معظم الأقاليم التي يدرسها تقرير المجموعة بقي المؤشر ثابتاً مقارنة بعام 2011. تشذّ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عن هذا النمط، حيث ارتفع المعدّل العام للمؤشّر من 3.62 نقاط إلى 3.73 نقاط. فقد انتقلت ثلاثة بلدان من هذه المنطقة من «أنظمة استبدادية» إلى «أنظمة هجينة»؛ مع العلم أنّ ليبيا شهدت أعلى ارتفاع بين أي بلد في العالم.
يُعدّ المؤشر بناءً على خمسة معايير: أوّلاً، العملية الانتخابية، ثانياً، الحريات المدنية، ثالثاً، مستوى فاعلية الحكومة، رابعاً، المشاركة السياسية وخامساً، الثقافة السياسية التي تسود في كلّ بلد.
وانطلاقاً من مؤشرات البلدان وفقاً لهذه المعايير، تصنّف في واحدة من أربع مجموعات: «ديموقراطيات كاملة»، «ديموقراطيات ناقصة»، «أنظمة هجينة» و«أنظمة استبدادية». وتُصنّف البلدان في هذه الفئات طبقاً للنقاط التي تحقّقها على سلم من واحد إلى عشرة. في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي ينتمي إليها العالم العربي، تُدرس أحوال 20 بلداً. بالأرقام يُسجّل مؤشّرها 3.73 نقطة، بينها بلد واحد يعيش في «ديموقراطية ناقصة» هو إسرائيل، سبعة بلدان تُطبق «أنظمة هجينة»، فيما يعاني 12 بلداً من أنظمة «استبدادية».
ووفقاً لهذه الآليّة يكون لبنان بنقاطه البالغة 5.05، في المرتبة 99 عالمياً والثالثة عربياً، مُحقّقاً أداءه الأفضل على مستوى «المشاركة السياسية»، إذ يحصد هنا 7.22 نقاط، فيما يرسب بامتياز على مستوى «فاعلية الحكومة»؛ إذ يُحقّق 1.79 نقطة؛ وللمقارنة تُحقّق ليبيا أكثر من ثلاثة أضعاف نقاط أداء الحكومة اللبنانيّة.
ويُعطي هذا الهامش تقدّماً لليبيا على جميع البلدان العربية، في ما عدا تونس؛ إذ يُحقّق 5.15 نقاط، وبالتالي يكون في المرتبة 95 عالمياً. وفي المرتبة الأولى عربياً تحلّ تونس، البلد الذي اندلعت فيه شرارة الانتفاضات العربية عام 2010؛ إذ تحقّق 5.67 نقطة، واليوم هي البلد الوحيد عربياً الذي يُصنّف نظامه بأنّه ديموقراطي، ويحلّ في المرتبة 90 عالمياً رغم بعض الشوائب التي تعتريه. اللافت هو أنّ التقرير يُصنّف فلسطين في المرتبة الرابعة عربياً أي وراء لبنان مباشرة، إذ حقّقت السلطة 4.8 نقاط وجاءت في المرتبة 103 عالمياً.
وراء فلسطين تحلّ مصر بنقاط تبلغ 4.56، أي دون معدّل النجاح، بعدها موريتانيا بـ4.17 نقاط، ثمّ العراق بـ4.1 نقاط.
وللمرتبة الثامنة عربياً ننتقل إلى المغرب بـ 4.07 نقاط تجعله في المرتبة 115 عالمياً. بعده الجزائر، الكويت والأردن.
في منطقة الخليج العربي يظهر الأداء السيئ عربياً وفقاً للمؤشر؛ إذ تُسجّل سلطنة عمان 3.26 نقاط، لتحلّ في المرتبة التاسعة عربياً و135 عالمياً، وراءها تبرز قطر بـ3.18 نقاط فقط، لتكون في المرتبة 138 عالمياً. واللافت في الإمارة النفطية أنّها تُسجّل، مثل عمان، «صفراً» على عشرة في مؤشر «العملية الانتخابيّة والتعددي». مع ذلك تبقى قطر أمام اليمن، ولكن ليس بفارق كبير؛ إذ يحقّق هذا البلد الغارق في الفقر، 3.12 نقاط.
الإمارات العربية المتّحدة تحقّق «صفراً» أيضاً على مستوى العملية الانتخابية والتعددية السياسية. وبمجموع نقاط يبلغ 2.58 فقط، يحلّ هذا البلد في المرتبة 149 عالمياً و12 عربياً. أما المرتبة 13 فهي من نصيب البحرين ووراءها السودان. وتنحدر السعوديّة إلى المرتبة 15 عربياً و163 عالمياً مسجّلة 1.71 نقطة فقط، وراءها مباشرة تحلّ سوريا بـ1.63 نقطة.
وبالفعل، يقول التقرير إنّ «منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تبقى أكثر المناطق قمعية في العالم، رغم الانتفاضات المطالبة بالديموقراطية والتحسّن في معدّل مؤشرها؛ إذ إنّ 12 بلداً من أصل 20 بلداً لا تزال تُصنّف أنها استبدادية».
يرى معدّو التقرير أنّ التقدّم رُصد فقط في تونس، ليبيا، مصر واليمن «في المقابل تم اعتماد القمع في التعاطي مع الاحتجاجات الشعبية، على وجه الخصوص في سوريا، وأيضاً في البحرين ولبنان». ويشرح التقرير أنّه بعد عامين على انطلاق الثورات لتغيير الأنظمة «تبقى المنطقة غير مستقرّة». يُشير إلى أنّ «الحرب الأهلية في سوريا التي أودت بحياة أكثر من 60 ألف شخص»، ويرى أنّ هذا الصراع «رفع مستوى التصادم الطائفي في لبنان بين مؤيدي وداعمي نظام الأسد». من جهة أخرى يُشدّد التقرير على أنّ «الريوع النفطية الهائلة هي وسيلة العديد من الحكومات في المنطقة لترسيخ الحكم الاستبدادي». ويقول إنّ «الحكام (في البلدان النفطية) يُمكنهم تمويل شبكات المحسوبيات الموغلة، وأجهزتها الأمنية»، موضحاً أنّ «الإيرادات النفطية تُلغي الحاجة إلى فرض الضرائب، وبالتالي خفض مستوى المحاسبة؛ بالتالي فإنّ المجتمع المدني ضعيف جداً في معظم بلدان المنطقة».
إلى ذلك، يتوصّل التقرير إلى أنّ 25 بلداً في العالم تعيش ديموقراطية كاملة، ما يمثّل 15% من إجمالي البلدان المدروسة. غير أنّ سكانها يمثّلون فقط 11.3% من سكان العالم، أي قرابة 790 مليون نسمة. أما بلدان «الديموقراطيات الناقصة» فعددها 54، يعيش فيها 37.2% من سكان العالم، أي بحدود 2.6 مليار نسمة. هذا يعني أنّ أقلّ من نصف سكان الأرض، وتحديداً 48.7% منهم، يعيشون في أنظمة ديموقراطية إلى حدّ ما.




نهوض غير مسبوق... ولكن


يُشير تقرير «EIU» إلى مجموعة من التطوّرات التي طرأت على العالم أخيراً وأثّرت على تقويم مستوى ديموقراطية البلدان. أوّلاً، نهوض غير مسبوق للحركات المنادية بالتغيير الديموقراطي في العالم العربي دفع إلى تصوّر أنّ هناك موجة دمقرطة جديدة. ولكن «صار واضحاً أنّ الديموقراطية في هذه المنطقة تبقى أفقاً غير مؤكّد أبداً». ثانياً، شابت عام 2012 مجموعة من أزمات الديون السيادية في ظلّ ضعف القيادات السياسية في العالم المتقدّم. ثالثاً، تستمرّ الثقة في المؤسسات السياسية بالتدهور في العديد من البلدان الأوروبية. رابعاً، تبقى الولايات المتّحدة والمملكة المتّحدة في أسفل فئة «الديموقراطية الكاملة». أميركياً تأثّرت الديموقراطية بالاستقطاب السياسي الحاد وسياسة حافة الهاوية. أما بريطانياً، فهناك أزمة مؤسساتية عميقة. خامساً، في أوروبا الشرقية تراجعت الديموقراطيّة في 10 بلدان في عام 2012. سادساً، تؤدّي الجريمة المستشرية في بعض بلدان أميركا اللاتينية إلى كبح جماح الديموقراطيّة في هذه المنطقة.