طرحت صحيفة «إسرائيل اليوم»، المقربة من رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، مجموعة من الأسئلة حول البيئة الاستراتيجية المحيطة بالدولة العبرية، وحاولت الإجابة عنها استناداً إلى المعطيات والتقديرات المتداولة في أروقة الاستخبارات الإسرائيلية. الإجابة لم تكن قاطعة، لكنها عبّرت عن القلق والخشية من الآتي، وشابها الكثير من الضبابية والقلق.

لبنان وضرورات الردع

بحسب التقرير، لا يوجد خلاف في إسرائيل حول ماهية التهديد الذي يشكله حزب الله. التهديد واضح ومحدد ومعروف، وقد تحدث رئيس الاستخبارات العسكرية، اللواء أفيف كوخافي، عما يقرب من مئة ألف صاروخ موجود في حوزة حزب الله. وقال إن «لدى التنظيم اللبناني القدرة على استهداف أي نقطة في إسرائيل، كما أنه قادر على إطلاق آلاف الصواريخ في كل يوم من أيام الحرب المقبلة». إضافة الى القدرة النارية المؤثرة لدى حزب الله، والتي تشمل أيضاً صواريخ سكود تصل الى ديمونا وإيلات، عمد حزب الله الى تحصين قرى الجنوب اللبناني، وحوّلها الى فخاخ لمواجهة القوات البرية الإسرائيلية، إذا اجتاحت لبنان.
هدف حزب الله من امتلاك هذه القدرات، إضافة الى الخطط الموضوعة لمواجهة الاجتياح البري، واضح جداً: «منع إسرائيل من التفكير بشن حرب على لبنان». أما إذا اندلعت الحرب، فلديه القدرة على نزع رغبة إسرائيل من مواصلتها، ربطاً بالأضرار القادرة على إلحاقها بالجبهة الداخلية الإسرائيلية.
مع ذلك، يضيف التقرير إن حزب الله يدرك أن تحقيق هذه المعادلة، وبشكل كامل وتام، يتطلب منه تأمين مزيد من المكونات الاستراتيجية، إضافة الى ما لديه من قدرات، ومن بينها مخزون كبير من أسلحة الدفاع الجوي، وقدرات إضافية متطورة مضادة للسفن الحربية، الأمر الذي يفسّر تكثيف جهوده أخيراً للتزود بصواريخ دفاع جوي متطورة من سوريا، كما يفسّر تغاضيه عن استهداف بطارية صواريخ الاس 17 بالقرب من دمشق قبل فترة. وإلى ذلك، هناك تساؤل حول رغبة الحزب بامتلاك أسلحة كيميائية، رغم أن سلاحاً كهذا سيورطه من ناحية سياسية، سواء في الداخل اللبناني، أو في المنطقة وفي العالم.
ويضيف التقرير: إن للمعادلة أيضاً وجهاً آخر. إذ يدرك حزب الله أن إسرائيل تريد في أي حرب مقبلة أن تغيّر ما جرى كيّه في الوعي عام 2006، وأن تنهي المواجهة العسكرية بطريقة يتضح فيها للجميع من انتصر ومن هزم. من هنا تأتي التصريحات والمواقف الإسرائيلية العلنية، لإفهام (الطرف الآخر) بأن الجيش الإسرائيلي كله يتدرب كي يكون مستعداً وجاهزاً لخوض حرب كهذه. ومن هنا، بحسب التقرير، يأتي حرص حزب الله على التهدئة في الحدود، كما يفسر تغاضيه عن استهداف قدراته العسكرية، مثل صواريخ أرض جو (في سوريا)، وأيضاً التغاضي عن اغتيال قائده العسكري، عماد مغنية، وتوجيه جهود الرد على اغتياله باتجاه الخارج، مع «بصمات منخفضة»، خشية الانجرار الى حرب مع إسرائيل. إلا أن التقرير لا يسند «لجم» حزب الله، الى الردع الإسرائيلي وحسب، بل يرى أن العامل الأساسي في لجمه يعود الى الوضع في سوريا. ويشير التقرير الى أن خشية حزب الله على النظام السوري، وهو الجهة الأساسية التي تزوده بالسلاح، يدفع الحزب إلى تغيير أسلوبه وتصرفاته وتفكيره، باتجاه مساعدة (الرئيس السوري بشار) الأسد، الى درجة الانجرار في أتون الحرب السورية. مع ذلك، يشكك التقرير بقدرة المساعدة التي يتلقاها الأسد من حزب الله، وبأن تكون كافية لإنقاذه ونظامه، ويرجح أن اليوم الذي يلي سقوط النظام، سيشهد انضمام الأسد وداعميه في سوريا الى حزب الله، وإنشاء دولة مشتركة تمتد الى لبنان وتشمل الساحل السوري، وتكون برعاية إيرانية شيعية علوية. وبحسب التقرير، فإن هذا السيناريو يقلق جداً الأقليات الأخرى في لبنان، وهو عامل إقلاق أيضاً لحزب الله، الذي يقدم نفسه على أنه كيان لبناني سياسي يدافع عن هذا البلد.

سوريا واليوم التالي

يرى التقرير أن الواقع الأمني في الساحة السورية بات أعقد بكثير مما يتراءى للعين، وقد تكون هذه الساحة هي الأكثر إشكالية، قياساً بالساحات الأخرى المحيطة بإسرائيل. أما ما سيحدث في هذا البلد، والنتائج المتوقعة للحرب الدائرة فيه، فمسألة خارجة عن أطر التقدير والتحليل: ومن يدّعي بأن لديه فكرة كيف ستبدو سوريا في اليوم الذي يلي الأسد، وتبعاً لذلك كيف ستبدو الحدود معها، فهو إما نبي، وإما مشعوذ، إذ إن عدد السيناريوات غير محدود، لكن القدر المتيقّن هو أن إسرائيل آمنة نسبياً، طالما أن الاقتتال الداخلي في سوريا متواصل. وخلال ذلك، لا يوجد سبب للقلق إلا من نقل أو انزلاق وسائل قتالية متطورة الى حزب الله، أو سقوطها في أيدي الثوار.
من ضمن السيناريوات الممكنة، بحسب التقرير، دولة واحدة في نظام سنّي، ديني أو علماني؛ تفكك وتشعب سوريا الى دول أو دويلات، علوية على الساحل، درزية في الجبل، وسنية في باقي المناطق؛ ويمكن الافتراض بقيام نظام حديدي جديد؛ كما يمكن الافتراض بأن الحرب الأهلية ستتواصل ما بعد الأسد، مع عنف بمستويات مختلفة؛ لكن الأهم من كل ذلك أن أي سيناريو يمكن تخيّله، بالإمكان أن يتحقق في سوريا. أما من ناحية إسرائيل فلا يمكنها أن تقدّر مسبقاً من سيتزعم هذه الأنظمة وهذه الدويلات، وأي منها سيكون صديقاً أو عدواً.

الأردن والمصالح المشتركة

يرى التقرير أن الحدود مع الأردن هي الحدود الوحيدة التي تعدّ حتى الآن حدود سلام حقيقية. ورغم الخلاف السياسي مع المملكة، فإن التعاون الأمني مع السلطات الأردنية وثيق جداً. أما تفسير هذا الواقع فبسيط: أعداء إسرائيل هم أعداء المملكة الأردنية، وأعداء المملكة هم أعداء إسرائيل. نفس الجهات الإسلامية ونفس المجموعات الإرهابية التي تهدد الأردن، تهدد إسرائيل، ومن يريد منع الإرهاب هنا (في إسرائيل)، عليه أن يمنع سقوط النظام هناك (في الأردن): اليوم عمان وغداً تل أبيب. مع ذلك، يضيف التقرير إن الهدوء مضلل، ومن الصعب أن نقدر كم من الوقت سيصمد النظام الهاشمي أمام مطالب التغيير في المملكة، وخصوصاً أن الاقتصاد متردّ، والشعب يطالب بإصلاحات، كما أن الوضع الديموغرافي مقلق مع وجود مئات الآلاف من اللاجئين السابقين من العراق، وحالياً من سوريا، والذين يضغطون معاً على النظام، فضلاً عن محاولات إيران ومجموعات إرهابية متطرفة من تنظيم القاعدة لإسقاط المملكة، وتحويل الأردن الى «فرع إسلامي» لهما.

قطاع غزة وسيناء

الوضع مع شبه جزيرة سيناء بات معقداً من ناحية أمنية، والتهديدات تتعاظم، مع إمكانية شن هجمات وتنفيذ عمليات خطف على أنواعها. أما مرابطة الوحدات العسكرية هناك، والتي كانت تعد في الماضي مرابطة استجمام، فتحولت الى مرابطة حقيقية من كل النواحي: الوسائل القتالية والموازنات والقوة البشرية.
قسم من الإرهاب في هذه المنطقة يتحرك قادماً من قطاع غزة (فلسطيني)، وقسم آخر من سيناء نفسها (البدو)، وفي الآونة الأخيرة، وصلت الى شبه الجزيرة أعداد من «اللاجئين» الإسلاميين، من خريجي الحرب في العراق وأفغانستان، ويمتلكون خبرة قتالية غنية. ويحذر التقرير من تلاقي هذه العناصر والوسائل القتالية غير المحدودة الموجودة في سيناء، الأمر الذي يعني أن الحدود لن تبقى هادئة. مع ذلك، يؤكد التقرير أن الجهد الأساسي المبذول إسرائيلياً لا يتعلق فقط بمنع الإرهاب من سيناء، بل في الطرق والأساليب التي تمنع الإرهاب، وفي الوقت نفسه عدم الإضرار بالسلام مع مصر. من هنا، يرى التقرير أن الدور الأساسي يبقى للاستخبارات والمعلومات الاستخبارية و«التشويش» على الأعمال العدائية، كما أن التعاون مع مصر هام جداً، هذا إن أرادت ذلك، مع الكثير من الأمل والحظ. ولجهة قطاع غزة، ينوّه التقرير بالإنجاز الإسرائيلي الذي تحقق في أعقاب عملية «عمود السحاب» في العام الماضي، وتحديداً الاتفاق المبرم مع مصر والولايات المتحدة لمنع تهريب السلاح الى القطاع. ويرى أن الاتفاق كان ناجعاً، وأكثر بكثير مما جرى تقديره في إسرائيل، إذ إن المصريين يريدون بالفعل منع تحول النزاع الإسرائيلي الفلسطيني الى مواجهة إسرائيلية مصرية.
وبحسب التقرير، فإن الحوافز المصرية فاجأت حركة «حماس»، وبعدما انفصلت بشكل تام عن إيران، عادت إليها أخيراً، وها هي تطلب المساعدة من طهران، سواء بالمال أو السلاح. لكن، متى تندلع المواجهة مع غزة؟ يرى التقرير أن ذلك لن يقع في المدى المنظور، بل في أعقاب إنهاء حماس ملء مخازنها من الوسائل القتالية، التي جرى إفراغها في عملية عمود السحاب.




وهم الهدوء في الضفة الغربية

يرفض تقرير صحيفة «إسرائيل اليوم»، الحديث المتزايد عن انتفاضة فلسطينية ثالثة في الضفة الغربية، كاشفاً أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية تجمع على التقدير بأن لا إشارات ميدانية دالة على انتفاضة جديدة، لكنه يشدد في المقابل على وجود معطيات مجمعة لدى الاستخبارات، يمكن أن تثير القلق. ويشدد التقرير على أن معطيات الضفة الغربية تدفع الى مزيد من المتابعة الدقيقة، خشية أن تتفاقم الى وضع سلبي، ومن بين هذه المعطيات «حوادث الإخلال بالنظام، وتزايد عمليات الرشق بالحجارة وإلقاء الزجاجات الحارقة». وأشار التقرير الى وجود سعي لدى السلطة الفلسطينية لتثمير حملتها الهادفة إلى نزع الشرعية عن إسرائيل في المحافل الدولية، ومن شأن ذلك أن يؤدي الى تداعيات سلبية.