نيويورك | فلاديمير بوتين حافظ على دفاعه عن شرعية السلطة السورية في برلين، فيما شكّكت أنجيلا ميركل في هذه الشرعية مع تأييدها الحل السياسي، في وقت تعمل فيه قطر على إعداد مشروع قرار سيطرح على الجمعية العامة للأمم المتحدة يرمي إلى نقل عضوية سوريا إلى «الائتلاف» المعارض، وإلى إحالة الحكم على محكمة الجنايات الدولية وتدويل كافة قرارات جامعة الدول العربية، بما في ذلك قرارها الأخير بالسماح بتسليح المعارضة. إجراءات ترى دول كبرى أنها لا تنسجم مع روح ميثاق الأمم المتحدة والأعراف الدولية، وستواجه بصدّ مؤكد من دول نافذة كالصين وروسيا في مجلس الأمن، ومن دول «البريكس» فيه وفي الجمعية العامة. لكن تجارب السنتين الماضيتين برهنت أن السيطرة على الجمعية العامة باتت في يد المجموعة الغربية بعد تفسخ المجموعة العربية وانضمام غالبيتها إلى المجموعة الغربية، (عدا الجزائر والعراق ولبنان، وإلى حد ما السودان).

القرار قطع شوطاً كبيراً وسط اجتماعات متواصلة تجري في مقر البعثة القطرية في نيويورك بهدف طرحه للتصويت في الشهر الحالي. وعلمت «الأخبار» أنّ بعثة فرنسا أصرّت خلال اجتماعات مغلقة عقدتها مع بعثات الولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية وقطر على ضرورة إدراج فقرة تطالب صراحة بإحالة الوضع السوري على المحكمة الجنائية الدولية. لكن السعودية حاولت حذف تلك الفقرة كي لا تقل نسبة الدعم لمشروع القرار عن أغلبية كبيرة.
لكن من أكثر الفقرات خطورة هي تلك التي تمهّد لنقل السلطة دولياً إلى المعارضة بعيداً عمّا يجري على أرض الواقع. حيث جاء في الفقرة 13 من مسودة المشروع الذي حصلت «الأخبار» على نسخة منه، «ترحّب (الجمعية العامة) بتأسيس الائتلاف الوطني السوري للثورة السورية وللقوى المعارضة... كممثل شرعي للشعب السوري». ويضيف مشروع القرار في الفقرة التالية ترحيبه بما وصفه «جهود جامعة الدول العربية نحو الحل السياسي للوضع في الجمهورية العربية السورية وتدعم كافة قرارات جامعة الدول العربية ذات الصلة». وهذا يشمل بالطبع قرار القمة العربية الأخير الذي منح مقعد سوريا إلى الائتلاف، والذي سمح للدول الأعضاء بتسليح المعارضة وفتح سفارات للائتلاف لديها. قرار اعترضت عليه موسكو بشدة وتمسكت بأن الحل يجب أن يبقى في إطار وثيقة جنيف وحسب. كذلك عارض مندوب روسيا فيتالي تشوركين أي إجراء من هذا النوع، وقال إنه إذا قدم طلب لتمثيل «الائتلاف» لسوريا فـ«سنعارضه بشدة».
مصادر غربية أكدت لـ«الأخبار» أنّ الولايات المتحدة لم تحسم موقفها حتى الساعة من هذا التوجه، حيث لم تبد خلال المشاورات المغلقة مع كل من فرنسا وبريطانيا موقفاً واضحاً، لا سيما بشأن طرح الموضوع على لجنة وثائق التفويض والجمعية العامة خشية التبعات المحتملة لهذا التحرك، وأيضاً لعلمها المسبق بأن روسيا والصين ودول أخرى ستقف بشدة ضد تحرك من هذا النوع.

لجنة الكيميائي
من جهة أخرى، بعث وزير الخارجية السوري برسالة إلى الأمانة العامة للأمم المتحدة، استغرب فيها التراجع عن الاتفاقات التي تمّت مع الحكومة السورية عبر بعثة سوريا لدى الأمم المتحدة في موضوع بعثة التحقيق التقني في جريمة الهجوم الكيميائي في خان العسل.
وبدوره، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، أنّ محققي الأمم المتحدة الذين سيكون عليهم تحديد إن كان تم استخدام أسلحة كيميائية في سوريا «جاهزون» للانتشار في البلاد. وأضاف «نحن لا ننتظر سوى إذن الحكومة السورية لتحديد ما إذا تم استخدام أسلحة كيميائية. نحن بصدد بحث ذلك مع الحكومة السورية». إلّا أنّ دمشق رفضت أمس مهمة التحقيق، بحسب ما أعلن مصدر مسؤول في وزارة الخارجية لوكالة «سانا». وقال المصدر إنّ «الأمين العام (...) طلب مهاماً إضافية بما يسمح للبعثة بالانتشار على كامل الأراضي السورية وهو ما يخالف الطلب السوري من الأمم المتحدة»، معتبراً ذلك «انتهاكاً للسيادة السورية».
وأكد أن سوريا «لا يمكن أن تقبل مثل هذه المناورات من الأمانة العامة للأمم المتحدة آخذة بالاعتبار حقيقة الدور السلبي الذي لعبته في العراق والذي مهد زوراً للغزو الأميركي»
في موازاة ذلك (أ ف ب، رويترز)، دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى وقف العنف في سوريا، معتقداً «أنه يجب التوصل إلى وقف إمدادات السلاح إلى جميع أطراف النزاع». وردّ الرئيس الروسي، خلال مؤتمر صحافي مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في هانوفر، على الاتهامات بأنّ روسيا تزود دمشق بالسلاح، قائلاً: «نحن، على الأقل، نسلمها إلى نظام شرعي، ولا تنص أية قرارات دولية على منع ذلك». وأضاف: «ولكننا مستعدون للاجتماع مع الجميع لبحث كيفية الخروج من هذه المجزرة الدموية». وتابع: «شرحت حيثيات موقفنا للسيدة المستشارة بشيء من التفصيل. بدا لي أنها سمعتها وقيمتها». وأضاف: «رصدنا اختلافاً في النهج حيال قضايا مختلفة تتعلق بسوريا».
بدورها، دعت ميركل إلى العمل من أجل حلّ سياسي للقضية السورية. ورأت أنّه يجب القيام بكل ما هو ممكن في سوريا لعدم السماح بإراقة المزيد من الدماء ووقوع «ضحايا بشرية فظيعة»، مشددة على ضرورة الحوار السياسي الذي لم ينطلق بعد، حسب رأيها.
وردّت ميركل على تصريحات بوتين حول مدّ السلطات بالسلاح بالقول «بحسب وجهة نظرنا، لم تعد الحكومة السورية تتمتع بالشرعية اللازمة»، مضيفةً «رغم اختلاف موقفينا في هذا الخصوص إلا أن المحادثات التي أجريناها مع الرئيس الروسي تحفزنا على محاولة إيجاد حل للأزمة السورية في مجلس الأمن الدولي»، مشيرة إلى أسفها «لعدم تمكن المجتمع الدولي من التوصل إلى قرارات توافقية على هذا الصعيد».
في السياق، صرّح رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، بأنّ هناك مسوغات لطرح تساؤلات بشأن الإبقاء على حظر توريد السلاح إلى سوريا. وأشار إلى أنّه «يتفهم كافة المخاوف المرتبطة بتوريد السلاح إلى المعارضة السورية، لكن التكتيكات الحالية لا تأتي بالنتائج». وأضاف، في تصريح إلى صحيفة «لوموند» الفرنسية، «هل يعتبر أمراً عادلاً الإبقاء على حظر توريدات السلاح الذي لا يستطيع الشعب السوري بسببه أن يدافع عن نفسه بشكل مناسب».