غزّة | أمّ إبراهيم، الحاجة الفلسطينية التي تظهر في الصور مبتسمة في كل مناسبة للأسرى؛ تهتف وتتحدث عن الأسرى ومعاناتهم، تلاحق أخبارهم وأحلامهم وتحمل معاناتهم وتخفف عنهم. أمّ الأسرى الفلسطينيين، التي تبنت أسرى لبنانيين وفلسطينيين في سجون الاحتلال، هي أيضاً الأم الطبيعية لأحدهم؛ إبراهيم بارود.


الحاجة السبعينية، تمكّنت أمس، بعد مرور 27 عاماً، من احتضان ابنها إبراهيم الذي أفرجت عنه سلطات الاحتلال، بعد انتهاء محكوميته. على معبر بيت حانون (إيرز) شمال قطاع غزة، احتشد العشرات من عائلة الأسير والفصائل الوطنية والإسلامية، رافعين الأعلام الفلسطينية وصوراً كبيرة له، للترحيب بالأسير. فيما كانت عينا والدته تترقبان المشهد وتنهمران بالدموع، وصوتها يجهش بالبكاء فرحاً بلقاء نجلها ابراهيم بعد غياب دام عشرات السنين.
وفور دخول الأسير الى القطاع، توجه مباشرة مع الحشود الى مقرّ الصليب الأحمر، وسط مدينة غزة، للمشاركة في الاعتصام الأسبوعي الذي ينظمه أهالي الأسرى والمعتقلين تضامناً مع أبنائهم داخل سجون الاحتلال. وقد ظهر خلال الاعتصام وهو يرتدي زيّه العسكري التابع لسرايا القدس، الجناح العسكري لحركة «الجهاد» الإسلامي، ويحمل سلاحه الخاص بيده ويلوّح به، فيما تلتفّ حوله مجموعة من المسلّحين.
وفي كلمة له داخل خيمة الاعتصام، قال ابراهيم إن الأسرى في السجون الاسرائيلية يعانون ظروفاً صعبة. وطالب بضرورة العمل لإطلاق سراح الأسرى وعدم تركهم وحدهم. وحيّا آسري الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، داعياً إياهم لتحرير باقي الأسرى من السجون.
أما أم ابراهيم، فلم تكن تسعها الفرحة. تقول والدموع تنهمر من عينيها: «سعادتي كبيرة وغامرة وفرحتي لا توصف بعدما خرج نجلي من السجن بعد 27 عاماً حرماناً من رؤيته». وقالت إنها في الليلة الماضية لم تنم، ومرت عليها طويلاً لانتظارها هذه اللحظة المشهودة، مشيرة الى أنها من أكثر الليالي حساسية واشتياقاً لإبراهيم.
وتوضح أم ابراهيم أن إخوته وأقرباءه وأحباءه ذهبوا الى المعبر لاستقباله في تمام الساعة التاسعة، «لكني أصرّيت على الذهاب في الساعة الخامسة فجراً لأنني لا أستطيع الانتظار من الشوق والحنين». وتشير، والفرحة تملأ عينيها والزغاريد تملأ المكان، الى أنه طيلة فترة محكومية نجلها 27 عاماً، «قضيتها على أحرّ من الجمر. كنت لا أنام الليل. دائمة البكاء والدعاء لفراق ابراهيم عني». وتقول وهي ترتدي الزي التراثي الفلسطيني وتتوشح براية سرايا القدس إنها زوّجت أبناءها، وبينهم توأم إبراهيم، وزوجت أحفادها «لكنني أشعر اليوم بفرحة تعتريني تختلف عن سابقتها من جميع النواحي وفرحة لا توصف». وأكدت أم ابراهيم، وهي تحمل قطعة سلاح على كتفيها تُطلق النار منها، أن الإفراج عن ولدها لن يثنيها عن مواصلة التضامن بالوقفات والندوات والمؤتمرات، التي تدعم وتساند الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال. رغم هذه الفرحة، كان يحزّ في نفس أم ابراهيم الانقسام الفلسطيني، الذي يؤثر بشكل جذري وكبير على حالة الأسرى وحقوقهم داخل السجون الإسرائيلية، قائلة «لا أحد من طرفي الانقسام يعمل فعلياً من أجلهم. عيب عليهم يتركوا أسراهم وأبطالهم. ننتصر على السجان بوحدتنا».
بدورها، تقول الأربعينية بسمة، شقيقة ابراهيم، إن «شعورها مختلط بين الفرحة والحزن. فرحة الانتصار والإفراج عن إبراهيم. والحزن الشديد لعدم معرفة إبراهيم لأطفالي وأطفال أختي، التي وُلدت بعد اعتقال إبراهيم بعامين».
وتوضح أن إبراهيم عاش داخل السجون الإسرائيلية 27 عاماً «كانت كفيلة بإحداث تغيير جوهري في العائلة، بحيث توفي الجد والأب والأخ ووُلدت أخت وتزوجت وأنجبت أطفالاً. كل ذلك وإبراهيم بين قضبان الزنازين الإسرائيلية».
من جهتها، قالت جمعية واعد للأسرى والمحررين إن عملية الإفراج عن الأسير ابراهيم بارود تمت حوالى الساعة السادسة صباحاً، في خطوة مفاجئة وعلى غير عادة الجانب الإسرائيلي، الذي يتأخر عادة بالإفراج عن الأسرى إلى ساعات المساء. وهنأت المحرر بارود وعائلته بسلامة الإفراج عنه، مؤكدة أن قرابة 400 أسير لا يزالون داخل سجون الاحتلال محكوم عليهم بالمؤبد مدى الحياة وأكثر. واعتقلت السلطات الإسرائيلية بارود عام 1986، بتهمة الانتماء إلى حركة الجهاد الإسلامي، قضى خلالها أكثر من 7 أعوام في العزل الانفرادي.